Tuesday, October 27, 2015

مات غريباً في وطنه


بدايةً.. هذه ليست مادة للكتابة أو للتداول، هذه رسالة لبشرية فقدت إنسانيتها.


17 فبراير (الثورة).. كانت البداية.
ولأن حديثي هذا سيطول فأنا لن أطيل الحديث عن الثورة الليبية التي يعرف الجميع تفاصيلها ويعرف جلّهم نهايتها وما نتج عنها من شقاق بين أبناء الوطن الواحد وعداء بين الأهل والإخوة نتيجة اختلاف الأراء والانتماء.
طوال أربع سنوات كتب العديد عن سكان ” تاورغاء” كيف أنهم رُحلوا وهُجروا من منازلهم، نادى البعض بوجوب إبادتهم ونادى البعض الآخر بالتفكير في إمكانية تحويل مدينتهم الصغيرة لحديقة حيوانات.
في خضم الثورة الليبية ارتكب البعض أخطاءً وهذا ما لا يمكن تبريره أو تناسيه لكن العقاب وجب أن ينزل على الجاني لا على العِرق، لا أن ينزل العقاب على نساء وأطفال وشيوخ ومرضى لا حول لهم ولا قوة، العقاب كان قاسياً في ظل غياب القانون لهذا لم تتغير الأوضاع كثيراً، تاورغاء خالية حتى اللحظة، أهلها يسكنون الخِيم و”البراريك”، تدور فصول السنة واحدة عليهم بصيفها وشتائها، برداً وحراً.
images
في الحديث عن تاورغاء سأكون مخطئة لا محالة، سيكرهني البعض، سيظن البعض أن لا دخل لي في أبناء الوطن الواحد ومشاكلهم، في الحديث عن تاورغاء قد أجلب عداءً لنفسي مع من لا أعرفهم.. في الحديث عن تاورغاء وجب الحديث عن تاورغاء.
أذكر ذلك الصباح جيداً، لقد سمعت باب منزلنا يهتز على إثر طرق مستمر عليه وصراخ أطفال بكلمات لم أفهمها في حينها، حين فتحت باب المنزل كانت ” ياسمين” و”أريج” تبتسمان وتتسابقان لإخباري بعودة والدهما، تقول الصغيرتان ” بابا جي يا نورا، بابا جي” أذكر أني فرحت كثيراً، فرحت لفرحتهما ولتلك اللمعة التي برقت في أعينهما ذلك الصباح، كانتا صغيرتين جداً على أن تفقدا والدهما ببساطة لأنه ” تاورغي”، كانتا أصغر من أن تفهما أن ثورة الحق التي تحملان علمها فوق سريرهما وتغنين أناشيدها كانت السبب في منع والدهما من الدخول.
مر ذلك الصباح وسط فرحة الجيران بعودة جارنا “عمي حسن” ذلك الرجل الخمسيني الطيب، لما لا أحكي لكم قليلاً عن “عمي حسن” ؟
تعود معرفتنا به لسنوات طويلة، حين انتقل هو وزوجته الحديثة للسكن في البيت المجاور لنا. أذكر القليل من تفاصيل تلك الفترة وأذكر أن عند ولادة “أريج” كنت أزورهم لألعب بها قليلاً، كانت تبدو لي كدمية في وقتها.
بعدها بسنة واحدة ولدت “ياسمين” ولم يرزقهما الله بعدهما بأبناء.. لكنهم كانوا يمثلون الأسرة البسيطة الطيبة المعشر، كانت الأم مصراتية الأصل والأب تاورغي، أسرته وإخوته وكل أقربائه هم من سكان تاورغاء.
مرت الأيام سريعة حتى وصلنا لعام 2011، بداية الثورة كما يعلم الجميع قام النظام السابق بتوزيع مبالغ مالية تقدر بقيمة 500 دينار على بعض الأسر لمحاولة استمالة النفوس بالمال ولأن البعض لم يكن يجد مشكلة في الاستفادة من أموال الدولة “رزق حكومة ربي يدومه” فقد استلمت بعض العائلات المبلغ وكان من ضمنهم “عمي حسن” الذي أخذ تاكسي من مصراتة إلى تاورغاء لكي يختموا له في كتيّب عائلته ختم الاستلام.
خرج “عمي حسن” ذلك الصباح ساعياً خلف رزق الحكومة ليجد نفسه محاصراً في تاورغاء وسط الأرتال العسكرية وأصوات الرشاشات والشباب المغرر به… هل ذكرت أن “عمي حسن” مريض سكري وضغط الدم وقليل صحة ؟ لا.
لم يكن يقوى على الانظمام للجيش لكبر سنه لكنه قرر البقاء بجانب والدته وأقربائه في تاورغاء لتشتعل نيران الحرب وتنهش جسد الوطن موقِعة أبناءه في شرها.
رُحل سكان تاورغاء وأصبحت خالية على عروشها بمرور الأيام، تناثر الأهل شرق وغرب البلاد والبعض غادرها بلا رجعة حتى الآن.. كان نصيب “عمي حسن” ووالدته وأقربائه أحد مخيمات طرابلس.
مخيمات هزيلة التجهيز، يفترشون الأرض، سقفهم الخيام وبقايا أحلام أرضهم والوطن.. مرت سنتان على خروجه من منزله دون رجعة وفي يوم عودته استقبلته أسرته كما استقبلته جماعة من الأمن من أجل التحقيق معه والتأكد من خلفيته ومن إمكانية تورطه في الجرائم التي ارتكبها بعض أهل مدينة تاورغاء في حق الوطن ومدينة مصراتة.
لم يكن على “عمي حسن” أي ملاحظة، سجله نظيف كما كان قلبه، وجدوه دون أي سوابق كما أنه لم يشارك في أي حدث أثناء الثورة ” لم يكن قادراً”.
أعادته دورية الأمن لمنزله ذلك المساء وطلبوا منه أن يغادر المدينة في أقرب فرصة، تقول زوجته أنهم قالوا له ” أطلع من مصراتة أحسنلك، ما عليك شي لكن مش حيخلوك في حالك”.
استيقظنا على صوت بكاء وصراخ طفلتين، استيقظنا على خبر موت “عمي حسن” في خيمته الصغيرة في المخيم لتجد زوجته نفسها وحيدة بابنتين يتيمتين، هي في مدينة وزوجها المتوفى في مدينة أخرى.
بعد ساعات قليلة وفي إحدى المكالمات أخبرتنا أنه لم يمت وأنه قد دخل غيبوبة سكري وأن أهالي المخيم وأسرته وحتى أخته التي كانت قد أخبرتها أنه توفي قد كانوا يظنون أنه توفي وأنه وفور استقباله في المستشفى أدخلوه غرفة العناية المركزة ليستيقظ بعدها بساعات..
تقول أنها حين وقفت بجانب رأسه وهو ملقى على سريره كان يتحدث بصورة مغايرة لما كان عليه سابقاً، قالت أنه كان يبدو أكثر هدوئاً وأكثر توازناً وأن صوته كان أعمق وأهدأ.. قال ” شن الريح اللي جاباتك لينا؟” ممازحاً زوجته التي لم تصدق أنه يتكلم بل ويمزح أيضاً.
قضت زوجته تلك الليلة معه لتعود صباح اليوم التالي لمصراتة وتودع طفلتيها عند أسرتها وتأخذ بعضاً من الملابس والاحتياجات الخاصة التي قد تحتاجها أثناء بقائها معه في المستشفى.
مرت ثلاثة أيام وهي تنام أغلب وقتها في المستشفى وتقضى بقية الوقت بين الاستماع لآراء الدكاترة ومشاهدة الطلبة وهم يدرسون حالته وهم يعتبرون ذلك الإنسان بكل ذكرياته وكينونته مجرد “حالة” يجب دراستها.
لم تحتمل ذلك ولم يحتمل هو الآخر كل ذلك وفي عينيه صغيرتيه البعيدتين.. كان يطلب منها مراراً أن تعود للمنزل وتتركه للمشفى، لقد اعتاد المرض واعتاد السرير قبلاً.
بهذا ما كان للرجل إلا أن يشد الرحال عائداً نحو المخيم.. نحو الجوع والقهر والعيش بمذلة بعد أن كان معززاً مكرماً في منزله.. يقول البعض أنه مخطئ حين ظن أن 500 دينار تستحق كل هذا، ولكنني أقول أن لا أحد منا في ذلك الوقت كان يظن أن شيئاً مما حدث قد يحدث.
عودة “عمي حسن” لم تكن طويلة كفاية، بعدها بيوم غادر لتغادر معه فرحة ابنتيه، لتغادر أحلامهما وطفولتهما وكل ما يرتبط بوالدهما معه.
تزوره ابنتاه وزوجته من حينٍ لآخر، لكنها في كل مرة كانت تعودة حزينة باكية قائلة إنهم في وضع غير إنساني وأنها تخشى على ابنتيها، تخشى أن تلتصق هذه الصور له وهو “مُشرد” كصور أخيرة لوالدهم.. كانت أيضاً تشير إلى أن صحة زوجها صارت تتدهور وأنه يواجه مشاكل في التنفس وأن “المستشفى الطبي” لا يقدم المساعدة اللازمة.
مرت الأيام وتدهورت صحة “عمي حسن” ليتم تشخيص مرضه على أنه إلتهاب حاد في الرئة وأن وضعه الصحي سيء بصورة لن تفيد معها الأدوية والعقاقير ولن يتبقى له سوى أيام قليلة وجب أن يمضيها على فراش دافئ وسط أسرته الصغيرة وطفلتيه اللتين لم تبلغا الثانية عشر بعد.
عادت زوجته لنقضي معها بعض الوقت كجارات وكصديقات، كانت تحكي بحرقة وتقول ” قالولي مات، ماعرفتش شنو نقول للبنيات، بنياتي ياربي شنو نقوللهم” كنا نبكي.. كنت أبكي لأجلها ولأجل الطفلتين ولأجل ذلك الغريب في وطنه، ذلك الملقى على سرير المرض بعيداً عن أسرته.
فجر 10/03/2015، سمعت صراخاً، خرج على إثره الجيران راكضين نحو مصدره، لقد كانت زوجته هذه المرة أيضاً، لقد كانت تبكي بحرقة وتقول أن حسن مات وأن هذه المرة هو خبر صحيح وأن مَن هاتفها هو دكتور بالمشفى كانت قد تركت رقمها له ليخبرها إن جد جديد، لقد كانت تبكي طالبةً الصبر، تبكي هي ونبكي نحن، أنا، أمي، والجارات، كنا نشاركها البكاء على غريب كان ذات يوم بيننا ومنا.
أمسكتني من يدي وطلبت مني أن أغلق باب غرفة ابنتيها قبل أن يسمعا البكاء ويستيقظا..
كان ذلك أسوأ ما ممرت به حتى الآن.. اتجهت صوب الغرفة لأغلق الباب لكنني وجدت أنهما شبه مستيقظتين، دخلت ابنة خالتهما معي وكان عليّ أن أزف لهما خبر وفاة والدهما، أن أخبرهما أنهما فقدا والدهما بحق هذه المرة وأنه لن يعود للحياة كما حدث في المرة السابقة، كان عليّ أن أخبر طفلتين لم تصلا الثانية عشر من عمرهما بعد أنهمن صارتا يتيمتين.
كان ذلك من أسوأ ما مررت به بحق.. أدري ما سيتركه هذا من أثر على نفسيتهما كتكوين نفسي سوي أو غيره..
أخبرتهما بألا تبكيا من أجل والدتهما وأن تقرآ بعض الأيات القرآنية البسيطة التي تحفظانها.. كان الأمر كحلم سيء وددت لو أستيقظ منه.
فجراً توفي “عمي حسن” غريباً في وطنه، بعيداً عن منزله, مشرداً بعد عمر قضاه في عز وطنه.
قبل قليل دخلت جدة الطفلتين، امرأة طاعنة في السن، دخلت باكية وهي تنوح قائلةً “يامينتي.. يامينتي يا بو البنية، منهو بيا، من بعد قلة الفدِيّة” ” يا مينتي يا حسونة، ترجع نشوفك” ” يا مييييينتي بنيّاتك قزازين ” ..
– ” نوضي يا بنتي معايا لحوش بوك الله يرحمك، نوضي عزا راجلك في حوش بوك”.
– ” ماسد ما ماتش في حوشه وحدا بناته، ما سد حتى عزاه يا أمي مانديراش في حوشه.. أنا قاعدة في حوشي”.
images0
كان هذا آخر ما استطعت أن أحتمل سماعه قبل أن أغادر.
مات غريباً في وطنه.

No comments:

Post a Comment