Tuesday, October 27, 2015

جســـر

حـــــافة
ولكنني لا أريد أن أموت حافية القدمين..
أعني ألن يكون الأمر بائساً بما فيه الكفاية حين تستيقظ المدينة على خبر اكتشاف جثة لفتاة في منتصف العشرينات – حافية القدمين؟
كل تلك الطرقات الطويلة التي مشيتها، كل الليالي التي قضيتها وأنا أركض هاربة من كل شيء.. كل هذه السنوات.. ستنتهي وأنا حافية القدمين؟
في الغد ستنتقل الأخبار، ستكتب الجرائد عن الفتاة التي وجدت ميتة، وجدت حافية القدمين.. لن يذكروا اسمي غالباً، سينسون كل التفاصيل وسيذكرون أني كنت حافية القدمين وأنهم حين وجدوني كانت قدماي حافيتين ولا تحملان بقايا الخطوات.. ربما سأمسي مادة دسمة لنسج القصص المرعبة وربما تستخدمني الأمهات لإدخال الرعب في قصصهن المملة التي يحكينها لأطفالهن قبل النوم، ربما سيذكر أهل هذه المدينة هذا الجسر كمنطقة مسكونة من قبل الفتاة الحافية القدمين..
لا أدري... ولكن ليست هذه هي النهاية التي أريدها.. أريد أن أموت وأنا أرتدي حذاءً فاخراً من الرن واي في الحقيقة..
لا أريد أن أغادر دون أن يقابل حذائي وجه الذين سينتشلون جثتي صباحاً..
سأنزل هذه الليلة عن هذا الجسر .. ولكنني سأعود حين أعثر على حذاء.



موعد
ليس حذاءً غالياً، ولكن لا يوجد في هذا العالم حذاءٌ غالٍ بما يكفي ليليق بقدميها المقدستين...
أرجو أن يعجبها.. لا أظنها ستغضب مني، لا تحب أن أكلف نفسي بإحضار هدايا لها، لكنها طلبت مني أن ألتقيها هنا لنذهب ونبحث معاً عن حذاءٍ مناسب.. ياه، لازلتُ أذكر حين التقينا هنا لأول مرة.. كانت تفصلني خطوةٌ مترددة واحدة عن أن أكون خبراً بائساً عابراً في هامش جريدة اليوم التالي.. كنت أظن بأن الشمس تُشرق صباحاً في السماء، ولكن ذلك اليوم أشرقت الشمس ليلاً في هذا الجسر.
كم كان شيئاً.. كان شيئاً غريباً ورائعاً.. المكان الذي أتيت أبحث فيه عن الموت.. وجدتُ فيه الحياة.. بين يديها...
مازلتُ أذكر كل كلامنا تلك الليلة.. مازلتُ أذكر كيف اقتربت مني.. وقفت بجانبي تماماً.. اخترقت كل جدران الخجل والحزن، نظرت إلى داخل داخل روحي، وتحدثت معي – أنقذتني.

اسم
-        ماذا تفعل هنا؟
-        ... آه... أ.. أنا.. لا أفعل شيئاً...
-        أها.. إذاً أنت تريد أن تفعل نفس الشيء؟
-        م.. مــ.. ماذا؟
-        حسناً، من الجميل الحصول على بعض الرفقة.. اسمي هو... وأنت، ما اسمك؟
-        ...
-        ألا تريد أن تخبرني اسمك؟
-        ... أنا...
-        أترضى أن أموت دون أن أعرف اسمك؟
-        مـ.. ماذا؟! تموتين؟!...
-        أوه، ما بك؟! أظن أننا هنا لنفس الغرض، أليس كذلك؟
-        ...
-        حسناً، يبدو أنني سأموت برفقة شخص لا أعرف اسمه.
-        اسمي هو...
-        أها، هل رأيت.. كان ذلك سهلاً، صح؟
-        نعم...
-        ما رأيك.. هل هذا مكان جيدٌ لنموت فيه؟
-        لا.. لا أعلم..
-        أوه، وضعك مأساوي! حسناً، يبدو أنني سأضطر لتأجيل الأمر مرةً أخرى.. تعال...

حذاء
ذلك اليوم، أمسكت بيدي، وأخذتني بعيداً عن الجسر، عن الحافة، عن الموت.. كانت تردد اسمي طوال الوقت، وكنت أشعر بأن هذه أول مرة في حياتي يكون لي اسم، أشعر بأنها هي من منحتني اسمي.. أشعر بأنها هي من أنجبتني ذلك اليوم، منحتني الحياة، منحتني اسمي، وأخذت بيدي لتعلمني كيف أعيش.
وها أنا ذا أنتظرها في مكان ولادتي...
أرجو أن يعجبها الحذاء.. إنه لا يليق بقدميها المقدستين.. ولكن، على الأقل سيحول بين الأرض وبين قدميها، فهذا العالم الحقير لا يستحق نعمة أن تدوس عليه بقدميها..
هل كان يجب أن أغلف الصندوق؟
ياه! سوف ألمس قدميها وأنا أُلبسها الحذاء! كلا، لن ألمسهما وحسب، سأقبلهما أيضاً... سأقبل قدميها..
لا داعي لتغليف الصندوق، سنخرج الحذاء ونتركه.. سنترك الصندوق، ونأخذ معاً قبلةً وننطلق.. نغادر الجسر..

خطوة
الجسر مجدداً، لكن ليس على الحافة، ولست وحدي.. إنه هنا.. يحمل في يديه صندوق صغير وابتسامة ارتداها بخجل.. لقد عاد من أجلي.. وأحضر حذاءً جميلاً كان قد زينه لأجل قدمي بأمنية.. كانت قبلته على قدمي أول خطوة.. وقبلتنا بداية الرحلة.
كل الطرقات القادمة سنمشيها معاً، كل الخطوات الجديدة سنخطوها معاً، أحذيتنا هذه ستصير هويتنا، في الصباح سيعانق بصرنا نور السماء، نركض خلف ظلالٍ هاربة، سنضحك كثيراً وسنجمع قصصاً كثيرة، سنعود لنحكيها لبعضنا البعض في المساء، كلٌّ كما شاهدها، سنرسم سوياً الطرقات التي لم نجدها وسنصل بها لأينما أردنا.. سيكون هذا الجسر بدايتنا وهذه الأحذية الجديدة موعد انطلاقنا.. لا خطوات ملتصقة بالطرقات.. لا أقدام حافية بلا هوية.. لا شيء سوى أنا وأنت والحياة.



جريدة
في اليوم التالي مر عامل نظافةٍ ببطء فوق الجسر.. التقط صندوقاً فارغاً وألقاه في عربته.. ثم التقط جريدة ذلك اليوم.. ابتسم لخبرٍ صغير في الطرف ثم قرر أن يطوي الجريدة ويضعها في جيب معطفه ويكمل عمله.





مات غريباً في وطنه


بدايةً.. هذه ليست مادة للكتابة أو للتداول، هذه رسالة لبشرية فقدت إنسانيتها.


17 فبراير (الثورة).. كانت البداية.
ولأن حديثي هذا سيطول فأنا لن أطيل الحديث عن الثورة الليبية التي يعرف الجميع تفاصيلها ويعرف جلّهم نهايتها وما نتج عنها من شقاق بين أبناء الوطن الواحد وعداء بين الأهل والإخوة نتيجة اختلاف الأراء والانتماء.
طوال أربع سنوات كتب العديد عن سكان ” تاورغاء” كيف أنهم رُحلوا وهُجروا من منازلهم، نادى البعض بوجوب إبادتهم ونادى البعض الآخر بالتفكير في إمكانية تحويل مدينتهم الصغيرة لحديقة حيوانات.
في خضم الثورة الليبية ارتكب البعض أخطاءً وهذا ما لا يمكن تبريره أو تناسيه لكن العقاب وجب أن ينزل على الجاني لا على العِرق، لا أن ينزل العقاب على نساء وأطفال وشيوخ ومرضى لا حول لهم ولا قوة، العقاب كان قاسياً في ظل غياب القانون لهذا لم تتغير الأوضاع كثيراً، تاورغاء خالية حتى اللحظة، أهلها يسكنون الخِيم و”البراريك”، تدور فصول السنة واحدة عليهم بصيفها وشتائها، برداً وحراً.
images
في الحديث عن تاورغاء سأكون مخطئة لا محالة، سيكرهني البعض، سيظن البعض أن لا دخل لي في أبناء الوطن الواحد ومشاكلهم، في الحديث عن تاورغاء قد أجلب عداءً لنفسي مع من لا أعرفهم.. في الحديث عن تاورغاء وجب الحديث عن تاورغاء.
أذكر ذلك الصباح جيداً، لقد سمعت باب منزلنا يهتز على إثر طرق مستمر عليه وصراخ أطفال بكلمات لم أفهمها في حينها، حين فتحت باب المنزل كانت ” ياسمين” و”أريج” تبتسمان وتتسابقان لإخباري بعودة والدهما، تقول الصغيرتان ” بابا جي يا نورا، بابا جي” أذكر أني فرحت كثيراً، فرحت لفرحتهما ولتلك اللمعة التي برقت في أعينهما ذلك الصباح، كانتا صغيرتين جداً على أن تفقدا والدهما ببساطة لأنه ” تاورغي”، كانتا أصغر من أن تفهما أن ثورة الحق التي تحملان علمها فوق سريرهما وتغنين أناشيدها كانت السبب في منع والدهما من الدخول.
مر ذلك الصباح وسط فرحة الجيران بعودة جارنا “عمي حسن” ذلك الرجل الخمسيني الطيب، لما لا أحكي لكم قليلاً عن “عمي حسن” ؟
تعود معرفتنا به لسنوات طويلة، حين انتقل هو وزوجته الحديثة للسكن في البيت المجاور لنا. أذكر القليل من تفاصيل تلك الفترة وأذكر أن عند ولادة “أريج” كنت أزورهم لألعب بها قليلاً، كانت تبدو لي كدمية في وقتها.
بعدها بسنة واحدة ولدت “ياسمين” ولم يرزقهما الله بعدهما بأبناء.. لكنهم كانوا يمثلون الأسرة البسيطة الطيبة المعشر، كانت الأم مصراتية الأصل والأب تاورغي، أسرته وإخوته وكل أقربائه هم من سكان تاورغاء.
مرت الأيام سريعة حتى وصلنا لعام 2011، بداية الثورة كما يعلم الجميع قام النظام السابق بتوزيع مبالغ مالية تقدر بقيمة 500 دينار على بعض الأسر لمحاولة استمالة النفوس بالمال ولأن البعض لم يكن يجد مشكلة في الاستفادة من أموال الدولة “رزق حكومة ربي يدومه” فقد استلمت بعض العائلات المبلغ وكان من ضمنهم “عمي حسن” الذي أخذ تاكسي من مصراتة إلى تاورغاء لكي يختموا له في كتيّب عائلته ختم الاستلام.
خرج “عمي حسن” ذلك الصباح ساعياً خلف رزق الحكومة ليجد نفسه محاصراً في تاورغاء وسط الأرتال العسكرية وأصوات الرشاشات والشباب المغرر به… هل ذكرت أن “عمي حسن” مريض سكري وضغط الدم وقليل صحة ؟ لا.
لم يكن يقوى على الانظمام للجيش لكبر سنه لكنه قرر البقاء بجانب والدته وأقربائه في تاورغاء لتشتعل نيران الحرب وتنهش جسد الوطن موقِعة أبناءه في شرها.
رُحل سكان تاورغاء وأصبحت خالية على عروشها بمرور الأيام، تناثر الأهل شرق وغرب البلاد والبعض غادرها بلا رجعة حتى الآن.. كان نصيب “عمي حسن” ووالدته وأقربائه أحد مخيمات طرابلس.
مخيمات هزيلة التجهيز، يفترشون الأرض، سقفهم الخيام وبقايا أحلام أرضهم والوطن.. مرت سنتان على خروجه من منزله دون رجعة وفي يوم عودته استقبلته أسرته كما استقبلته جماعة من الأمن من أجل التحقيق معه والتأكد من خلفيته ومن إمكانية تورطه في الجرائم التي ارتكبها بعض أهل مدينة تاورغاء في حق الوطن ومدينة مصراتة.
لم يكن على “عمي حسن” أي ملاحظة، سجله نظيف كما كان قلبه، وجدوه دون أي سوابق كما أنه لم يشارك في أي حدث أثناء الثورة ” لم يكن قادراً”.
أعادته دورية الأمن لمنزله ذلك المساء وطلبوا منه أن يغادر المدينة في أقرب فرصة، تقول زوجته أنهم قالوا له ” أطلع من مصراتة أحسنلك، ما عليك شي لكن مش حيخلوك في حالك”.
استيقظنا على صوت بكاء وصراخ طفلتين، استيقظنا على خبر موت “عمي حسن” في خيمته الصغيرة في المخيم لتجد زوجته نفسها وحيدة بابنتين يتيمتين، هي في مدينة وزوجها المتوفى في مدينة أخرى.
بعد ساعات قليلة وفي إحدى المكالمات أخبرتنا أنه لم يمت وأنه قد دخل غيبوبة سكري وأن أهالي المخيم وأسرته وحتى أخته التي كانت قد أخبرتها أنه توفي قد كانوا يظنون أنه توفي وأنه وفور استقباله في المستشفى أدخلوه غرفة العناية المركزة ليستيقظ بعدها بساعات..
تقول أنها حين وقفت بجانب رأسه وهو ملقى على سريره كان يتحدث بصورة مغايرة لما كان عليه سابقاً، قالت أنه كان يبدو أكثر هدوئاً وأكثر توازناً وأن صوته كان أعمق وأهدأ.. قال ” شن الريح اللي جاباتك لينا؟” ممازحاً زوجته التي لم تصدق أنه يتكلم بل ويمزح أيضاً.
قضت زوجته تلك الليلة معه لتعود صباح اليوم التالي لمصراتة وتودع طفلتيها عند أسرتها وتأخذ بعضاً من الملابس والاحتياجات الخاصة التي قد تحتاجها أثناء بقائها معه في المستشفى.
مرت ثلاثة أيام وهي تنام أغلب وقتها في المستشفى وتقضى بقية الوقت بين الاستماع لآراء الدكاترة ومشاهدة الطلبة وهم يدرسون حالته وهم يعتبرون ذلك الإنسان بكل ذكرياته وكينونته مجرد “حالة” يجب دراستها.
لم تحتمل ذلك ولم يحتمل هو الآخر كل ذلك وفي عينيه صغيرتيه البعيدتين.. كان يطلب منها مراراً أن تعود للمنزل وتتركه للمشفى، لقد اعتاد المرض واعتاد السرير قبلاً.
بهذا ما كان للرجل إلا أن يشد الرحال عائداً نحو المخيم.. نحو الجوع والقهر والعيش بمذلة بعد أن كان معززاً مكرماً في منزله.. يقول البعض أنه مخطئ حين ظن أن 500 دينار تستحق كل هذا، ولكنني أقول أن لا أحد منا في ذلك الوقت كان يظن أن شيئاً مما حدث قد يحدث.
عودة “عمي حسن” لم تكن طويلة كفاية، بعدها بيوم غادر لتغادر معه فرحة ابنتيه، لتغادر أحلامهما وطفولتهما وكل ما يرتبط بوالدهما معه.
تزوره ابنتاه وزوجته من حينٍ لآخر، لكنها في كل مرة كانت تعودة حزينة باكية قائلة إنهم في وضع غير إنساني وأنها تخشى على ابنتيها، تخشى أن تلتصق هذه الصور له وهو “مُشرد” كصور أخيرة لوالدهم.. كانت أيضاً تشير إلى أن صحة زوجها صارت تتدهور وأنه يواجه مشاكل في التنفس وأن “المستشفى الطبي” لا يقدم المساعدة اللازمة.
مرت الأيام وتدهورت صحة “عمي حسن” ليتم تشخيص مرضه على أنه إلتهاب حاد في الرئة وأن وضعه الصحي سيء بصورة لن تفيد معها الأدوية والعقاقير ولن يتبقى له سوى أيام قليلة وجب أن يمضيها على فراش دافئ وسط أسرته الصغيرة وطفلتيه اللتين لم تبلغا الثانية عشر بعد.
عادت زوجته لنقضي معها بعض الوقت كجارات وكصديقات، كانت تحكي بحرقة وتقول ” قالولي مات، ماعرفتش شنو نقول للبنيات، بنياتي ياربي شنو نقوللهم” كنا نبكي.. كنت أبكي لأجلها ولأجل الطفلتين ولأجل ذلك الغريب في وطنه، ذلك الملقى على سرير المرض بعيداً عن أسرته.
فجر 10/03/2015، سمعت صراخاً، خرج على إثره الجيران راكضين نحو مصدره، لقد كانت زوجته هذه المرة أيضاً، لقد كانت تبكي بحرقة وتقول أن حسن مات وأن هذه المرة هو خبر صحيح وأن مَن هاتفها هو دكتور بالمشفى كانت قد تركت رقمها له ليخبرها إن جد جديد، لقد كانت تبكي طالبةً الصبر، تبكي هي ونبكي نحن، أنا، أمي، والجارات، كنا نشاركها البكاء على غريب كان ذات يوم بيننا ومنا.
أمسكتني من يدي وطلبت مني أن أغلق باب غرفة ابنتيها قبل أن يسمعا البكاء ويستيقظا..
كان ذلك أسوأ ما ممرت به حتى الآن.. اتجهت صوب الغرفة لأغلق الباب لكنني وجدت أنهما شبه مستيقظتين، دخلت ابنة خالتهما معي وكان عليّ أن أزف لهما خبر وفاة والدهما، أن أخبرهما أنهما فقدا والدهما بحق هذه المرة وأنه لن يعود للحياة كما حدث في المرة السابقة، كان عليّ أن أخبر طفلتين لم تصلا الثانية عشر من عمرهما بعد أنهمن صارتا يتيمتين.
كان ذلك من أسوأ ما مررت به بحق.. أدري ما سيتركه هذا من أثر على نفسيتهما كتكوين نفسي سوي أو غيره..
أخبرتهما بألا تبكيا من أجل والدتهما وأن تقرآ بعض الأيات القرآنية البسيطة التي تحفظانها.. كان الأمر كحلم سيء وددت لو أستيقظ منه.
فجراً توفي “عمي حسن” غريباً في وطنه، بعيداً عن منزله, مشرداً بعد عمر قضاه في عز وطنه.
قبل قليل دخلت جدة الطفلتين، امرأة طاعنة في السن، دخلت باكية وهي تنوح قائلةً “يامينتي.. يامينتي يا بو البنية، منهو بيا، من بعد قلة الفدِيّة” ” يا مينتي يا حسونة، ترجع نشوفك” ” يا مييييينتي بنيّاتك قزازين ” ..
– ” نوضي يا بنتي معايا لحوش بوك الله يرحمك، نوضي عزا راجلك في حوش بوك”.
– ” ماسد ما ماتش في حوشه وحدا بناته، ما سد حتى عزاه يا أمي مانديراش في حوشه.. أنا قاعدة في حوشي”.
images0
كان هذا آخر ما استطعت أن أحتمل سماعه قبل أن أغادر.
مات غريباً في وطنه.

قانون الطاقة: أو كيف تحول عامٌ كامل إلى ورقةٍ خريفية بسبب أغنية وقبلة

leaf
ها أنا أتخبط محاولةً الابتعاد والتحرر من ضغط ذراعيه، العرق في كل مكان، لقد كانت رائحة الحب والرغبة والاشتياق والخوف تعبق بالمكان، أشعر بأني أحترق، رئتاي تشتعلان أكثر مع كل نفس أخذه كأنني كنت أنفخ فيهما ليشتعلا أكثر وبصورة أسرع.
كل شيء مشوش غير واضح، لا أستطيع الرؤية بوضوح.. حسناً، يبدو أنه قد دخل شيء ما لعيني، أوه.. إنها مجرد ماسكارا رخيصة وقد اختلطت بالدموع والقبل وسالت، إنها تحرق عيناي وتشوش الرؤية، وثقل هذا الجسد كما لو كان لجثة ميتة.. إنه يأبى الحراك.
“لا, لا تقبّل عيني”
“لما لا؟”
“لا أدري، لا تفعل فحسب..”
أنا أكذب مجدداً، أنا أدري لما لم أرغب بقبلة من شفتيه على عيني.. إنها تلك اللعنة التي حلت علي حين سمعتها مصادفة على هيئة أغنية قديمة.. “بلاش تبوسني في عينيا دي البوسة في العين تفرق”.. أجل إنها كذلك.. مجرد كلمات كبقية الكلمات المستهكلة للأغاني القديمة التي لم يعد أحد يستمع لها لكنني كنت أخشى أن نفترق.. عشرات القبل حول الجسد وكانت واحدة كفيلة بتفرقتنا لذا لم يكن الأمر يستحق المجازفة..
لم يكن الأمر يستحق المجازفة لكننا فعلنا، أعني هو فعل وقبلني على عيني تاركاً أثراً خفيفاً من السواد على شفتيه، ـخبرته بشأن الماسكارا الرخيصة وبشأن هذا النوع من الحب الرخيص الذي لا يصلح سوى لليلة واحدة.. أو ربما لصباح خريفي واحد لكنه لم يأبه ولم أفعل كذلك.
                  *                                 *                                   *
إنه لمن المذهل كيف لعام واحد أن يغير فينا الكثير، أنا قبل عام لا أشبهني، في هذا المكان تحديداً كنت في مثل هذا اليوم متأخرة بعام.. أتخلص من أثر قبلة على عيني مودعة معها كل شي.
أحب الخريف، إنه فصل يشبهني، تائه بين الفصول لا يدري أأريد به صيفاً أم شتاءً.. إنه كل شيء إلا نفسه، فيه من روح الشتاء والصيف والربيع.. إنه البداية والنهاية في آن، إنه لسعة البرد التي تقرص أنفك صباحاً ولفحة الشمس التي تهرب منها عند الظهيرة..
في الخريف أنت ورقة أخرى تسقط ليتلاعب بك القدر.. أنت شيء آخر مختلف تماماً عما كنته تستمع لموزارت أمسية الجمعة ثم تقرر صباح السبت أنك ستقضي الليلة في أحد البارات الرخيصة تتجرع الشراب الرخيص، تستمع لموسيقى سيئة وتتنفس الهواء الرخيص المشبع بضحكات الراقصات والرجال الآخرين الذين لا يدرون أي فصل هم.
إنني في الغرفة لوحدي، لكنني أتحدث إلي بصوت منخفض وأستمر بطرح الأسئلة التي لا أعرف إجاباتها.. إنني أشعر بثقل.. كما لو كانت الدنيا بأكملها تجثم على قفصي الصدري الصغير.
من أين جاء هذا الصوت.. إنه هادئ، إنه يخبرني أن كل شيء سيكون على مايرام.
 Leaves-Street
إنها في مكان ما، في الوجوه الغريبة التي تخلدها الصور وومضات ضوء الكاميرا، في الوجوه التي تصادفني كل يوم في الطريق، في المدرسة، في الكاراج.. إنها في الأصوات وداعايات التلفزيون.. في كل الطرق التي فاتني أن أمشيها، في كل محطات القطارات التي أفوتها كل يوم ولم أنزلها.. في قارات العالم الخمس التي لم أزرها واحدة واحدة، في كل الشواطئ الأسترالية الذهبية الرائعة التي لم أستلقي عليها.. إنها في كل الأحلام التي صحوت صباحاً ولم أذكر منها شيئاً، في أناشيد الصباح المدرسية التي كنت أفوتها عن قصد كما أفوت وطنيتي الآن، في المعتقدات والعادات والمحرمات، في نظرة همنغواي للعالم، وروح باخ القاسية، في بؤس إدجار آلان بو وظلم الحياة له.. إنها في كل مكان ربما.. روحك التي تخشى أن تضيعها هي بالفعل ضائعة منك.. إنها تتشرب العالم بصورة معلومات وأغانٍ ورؤى وأحداث تنهال عليك كل يوم كتفاصيل ليوم عادي، إنها تسرق روحك وتكسرها لمليارات القطع وتنثرها حول العالم.. تحول كل ما مر بك كمعلومة أو كأغنية تسمعها في راديو التاكسي وأنت عائد من جنازة أحدهم، أو كصديق المرة الواحدة العاشر بعد المئة الذي تقابله في رحلتك هذا الصباح بالميترو صوب عملك.. إنها روحك يا رفيقي ولا شيء غير الروح سيدوم، إنها طاقة متجددة ولا تفنى.. لست بحاجة لسرد نظرية لافوازييه، أنت حتماً تذكرها من دراستك بالماضي.. ألم أقل لك أنهم يعدوننا في هذا المجتمع للتلقي والتشرب والاستقبال حتى نتشبع ونفقد قدرتنا على التركيز.. إنها الطاقة التي لا تفنى ولا تستحدث من عدم بل تتغير من صورة لأخرى!
إننا نتغير، نتحول، نتجدد ولكننا لا نفنى إلا بالصورة المستهلكة التي جُبلنا على تقبلها.. لا نفنى إلا بالموت – وحتى الموت ماهو إلا بداية!
                   *                                 *                                   *
هنا.. مكبلة إلى سرير الحنين وصوت تلك الأغنية في خلفية المشهد يجعلني أشعر بالغثيان.. إنها تغني كما لو أنها تعرفني إنها تغني ببرود غريب.. برود لا يليق بمن يخشى الفراق الناتج عن قبلة! “خلي الوداع من غير قبل.. علشان يكون عندي أمل.. وبلاش تبوسني في عينيا” إن هذه الأغنية قد صارت هوساً، صارت طاقة تنتقل لي بصور متعددة، مرة كرغبة ملحة للخروج حافية إلى الشارع والصراخ في اللحظة التي تتحول فيها الإشارة للضوء الأخضر.. أصرخ حتى يتلاشى صوتي ويتحول لصدى يصل مداه إلى كل مكان.. ومرة أخرى كرغبة عناق وسادتي والبكاء بحرقة، البكاء الذي يليق بقبلة وداع تمنيت أني لم أحصل عليها!
عام من اللاشيء، عام من ساعات الانتظار والوجوه والأحاديث غير المكتملة.. عام من الأمسيات الوحيدة، عام من الصباحات باردة.
walking-leaves