Monday, December 4, 2017

الفتى سيء الحظ

       حين دلف لهذه الحانة الصغيرة لم يكن يعلم أنه سيدخل شابا في مقتبل العمر ويخرج منها كهلا مل هذه الحياة .


حين سحب الباب ليُفتح كان قد سحب معه سحابة دخانية كثيفة مليئة برائحة النساء والوعود والخوف ودخان السجائر وعرق العاملين وأشياء أخرى لم يعرفها بعد, هذا الشاب الأخرق سيموت الليلة وسينهض من رفاته رجل كفيف ستكون بصيرته الوحيدة هي تجارب الآخرين.
بهذا, دخل الحانة خدل الباب وتركه يصفق منغلقا بقوة كاتماً بذلك أي صرخة قد تخرج لتُسمع
الفتى القادم من مأتم المدينة لا يبالي, كل ما يريده في الحقيقة هو صورة له مع امرأة بصدر عار ليتسنى له فوز ذلك الرهان الغبي بينه وبين يتيم آخر لم أشعر بأنه مهم لأذكر إسمه أيضا
هذا الرهان الغبي كان هو القدر الدي جلبه لهذا المكان, من هنا كان عليه أن يتساءل عن كل هذه المرايا المعلقة خلف الساقي, كل هذه المرايا وكل هذه القذارة المنعكسة .. يدخل الرجل هنا وهو يرتدي على وجهه كل الوقار والكحمة والأوسمة الشرفية الاجتماعية, يدخل هدا الفخ .. يثمل .. يثمل بحق .. يزيح الساقي رأسه فيرى الرجل حقيقته .. حقيقة قذرة بشعة تلتصق في ذهنك .. في كل مرة تثمل ترى نفسك على حقيقتها فتعود لتثمل على أمل أن تضعف قواك وتتوهج عيناك فيغشى بصرك .. لكنك في كل مرة تعلم أن هذه المرايا ستكون هنا, موجهة نحوك.. نحوك وحدك , كلها تراك كما ترى نفسك فمالذي تخفيه ؟

كفى .. أترك المرايا و الباب والساقي والرجال المناهرين في صمت خلف سحاب دخان سجائرهم ولهيثهم المتكور في أفواه أكواب الشراب ,, أترك كل هذا.
ما الذي يلي كل هذا؟ تلك الأجساد المتلوية ؟ العطور والزينة والألوان .. الغنج المصطنع البائس, القصص والحكايا الحزينة خلف كل واحدة منهن ؟
كم هي جميلة؟ أكنت تدري أن هدا الجمال قذر؟ جمال متهالك ؟ جمال .. بشع ؟
حين دخل هذا الصبي من الباب خرجت كل الحقيقة من مخبأها .. حان الوقت ليكبر قليلا, الحذاء الرث الذي يحتضن قدميه لم يمشي خطوة حقيقية واحدة إلا حين دخل هذه الحانة.


"الأبواب السرية كثيرة هنا, فقط عليك أن تجد المفتاح المناسب والوقت المناسب والشجاعة الكافية لتفتح أحدها"- هذا ماقالته ايزابيلا للفتى المدهوش عند الباب.
بيلا  الجميلة, صاحبة العنق الطويل كأنه طريق سريع للموت, نهايته قبلة من فم ملائكى بإبتسامة شيطانية.. بيلا وعيناها المظلمتان, المخيفتان بشكل ساحر وجميل ..

كان عليه أن يتحرك ,, أن يخطو .. كان عليه أن ينطق ويقول أي شيء .. أي شيء كان الساقي ليجهزه له, لذا تقدم بخطوات سريعة نحو البار, متسلقا ذلك الكرسي المكبل بالأرض عنفاً, رامياً بجسده النحيل ومؤخرته الصغيرة على الكرسي, هذا الكرسي الذي يحمل بدوره ذاكرة طويلة الامد لمؤخرات كثيرة اخرى .. مبتسماَ برهبة في وجه الساقي الذي مل هذا العرض البطيء الذي يمر به الفتى والذي كان باديا مدى ملله فقط من خلال نظراته
- سأشرب ما يشربه هدا السيد هنا./ مشيراً لسكير قبيح الوجه * الحقيقي والصورة في المرآة*
هذا وإن الفتى صديقنا لا يعرف أي مسميات لهذه السوائل المختلفة اللون والطعم والرائحة حتى الان .

-الباب الثاني يميناً, إذهب ولا تعد قبل أن تعرف من أنت.
قالتها صورة الفتى المنكعسة في المرأة .. كانت صورته فقط .. صورته فحسب دون أي تغيير .. كان هو كما الآن ,, الفتى ذاته
حين سمع تلك الكلمات قهقه ثم قال بصوت خافت
-حسنا, هذه سابقة ويبدو أني قد تملث بمجرد أن جلست فما حاجتي لشراب ؟ هه
لكنه وعلى كل حال قرر أن ينهض, بيلا قد وارته ظهرها والساقي على كل حال نسى أمره كما يبدو فهو لم يحضر له الشراب ويبدو أنه صار شبحاً لم يحدث أن تواصل ببصره مع
أي من الحاضرين رغم أن الحانة تعج بالرجال والنساء والصور المنكعسة
لما لا؟
فقط صورة واحدة مع بيلا كافية .. ولكن كيف سيقنعها بأن تتعرى ؟ أعني بأن تزيح قطعة القماش تلك التي تغطي هضبتين عظيمتين من الشهوة ؟ .. لا يدري
هو فقط لا يدري لكنه سيحاول, حين استقام واعتدل ليمشي نحو ايزابيلا تحولت كل الوجوه إلى أعين وكانت كلها تنظر نحو الباب الثاني على يمينه وكان هو من فرط الدهشة يبتسم فلعل كل هذا محض خيال سُكر لكنه بعد تلك الثواني القصيرة التي مرت كأنها ساعات أدرك أنها لم تكن أعراض ثمالة .. تلك الأعين تنظر إليه بحق, تنظر إلى جسده الذي حين وجه بصره للباب رآه واقفاً هناك يسبقه, وحين أراد انا يهلع, يصرخ, يخرج من حفرة الحجيم هده أدرك انه يطفو فحسب, انه مجرد فقاعة هواء تنظر إلى الاتي :
جسده الدي يسبقه, الباب الثاني على يمينه, المحيطين به والذين تحولوا لأعين موجهة, الساقي, المرايا, الرجل البشع و زجاجة ويسكي مهشمة في الركن الشمالي للحانة.

الباب فُتح ..
ممر طويل مظلم ورائحة خفيفة لشيء عطر, التحم بجسده ففرح الفتى حتى أنه رأي أن فكرة احتضان نفسه هي الأصح في لحظتها فمد يديه ووجههما نحوه.. حضن.
عليه أن يمشي, يدخل من هدا الباب للمرة الاولى والاخيرة كما يأمل.. ما الباب إلى فوهة البركان يا فتى \
كان علي... حسناً إنه يهوي
يسقط عميقاً وهو يصرخ ..
خطوة واحدة فقط وهاهو قد بدأ بالسقوط  بالفعل .. |
كم هدا غير متوقع أليس كدلك؟
لا



في الأسفل, حين يحط جسدك على الارضية بقوة كقطعة مرشميلو تترنح بمجرد أن تلمس الأرض وانت غائب عن الوعي من شدة الصراخ هل كنت ترغب بأن تستيقظ لتجد أنك تحلم وأنها محض هلاوس أو كنت ستأمل أن هذا حقيقة وأنك بالفعل سقطت من علو شاهق ولم تتأدى وأنك لم تجن ؟
أترى ؟ حتى هده حقيقة.. ستكون كذلك حين تريد أنت .. ستستيقظ أيها الفتى إما مهشم العظام كأنك بينياتا مليئة بالحلوي بين يدي اطفال صغار شرهين أو كقطعة اسفنج خفيفة, مرنة لا تتأدى ؟
ايهما تختار؟
الألم الناتج عن التجربة أو الخوف والحاجة المذلة للأمان ؟

الفتى يصرخ .. لم يفتح عينيه بعد وقد بدأ بالصراخ, صرخ بصوت غريب تتخله عده طبقات صوتيه كما لو كان قد حشر ثلاث رجال مختلفين في حنجرته ثم نحر كل منهم ورج حباله الصوتية وعزف عليها صرخة واحدة مكملة لهذا المشهد |
سقطة أخرى, وأخرى, وأخرى,, واستمرت السقوط حتى شعر كأنه لم يكن يُمنح الفرصة ليشعر بألم كل سقطة على وجه الإستحقاق فضحك .. ضحك بنفس تلك الوتيرة التي كان قد خصصها للصراخ والتأوه, ضحك بكل تلك الأصوات المنطلقة من حنجرته فتوقف السقوط وانتهى, تلاشى الظلام بسرعة وحين أحسن بأن ذده الارض أصلب من ان تنفتح ويغرق بها نحو سقطة أخرى.. رفع رأسه وكانت هناك تنتظره .. كانت المرايا معلقة مجددا على الحوائط, في كل مرآة كان يقف رجل, تماماً أربعة رجال حول الغرفة,, مد كل واحد منهم يده نحو الفتى .. أخاف هدا المنظر الفتى فأغلق عينيه وتمنى بكل ما أوتى من قوة أن يكون هذ مجرد حلم وانه سيستيقظ في أي لحظة في المأتم القذر وحوله اصدقاءه الذين يكرههم لكنه لم يكن كذلك.. وهو يغمض عينيه بشدة ويفتحهما .. كان يرى الغرفة والرجال والمرايا والأيادي الممتدة حوله .. أعاد فعلته مرارا.. وكانت الصورة ذاتها..
فتح عينيه, صرخ الصرخة الاخيرة ومد يده للاقرب فتوهج نورٌ بالمكان حتى كاد أن يخطف بصره
الشعاع المتلاشي من ذلك الوهج ببطء بدا لطيفا ومريحا للعين خاصةً أن ما كان ينتظره من بعده شي عظيم |
الرجل كان بدون ملامح, والغرفة اصبحت خالية من سواهما, ابتسم براحة فرسمت على وجه الرجل ابتسامة مشابهة, ارتعد الفتى لوهلة وقال لنفسه أن هذا جنون ,, جنون |
التفت مجددا لينظر أمامه فرئ الفتى المأتم من السطح, ورئ مديرة المأتم وهي تسرق من المؤونة الخاصة بالمأتم وتبيعها لأحدهم, رأى ايضاً داخل المأتم, الاولاد الصغار والفتى أمثاله ممن لم يصلوا للسن القانوني لترك المأتم قد تكومو بعضهم بجانب بعض على أسرة مهترئة, البرد قارص ولا أغطية, البعض يبكي والبعض يحلم بغد افضل, البعض كان ينام فحسب, لا شيء يحلم به أو يفكر به او يقلق بشأنه ..
رأى صغير لم يتجاوز أشهره الثلاثة الاولى موضوع في سرير حديدي مع طفل يكبره,, الصغير جائع, يحرك شفتيه بحثا عن ثدي أمه لترضعه, حليباً ,, حناناً ودفئاً ربما ..
شعر الفتى بالأسى والغضب والحقد واغمض عينيه .. حين فتحهما كان الرجل قد ترك يد الفتى, لا ملامح .. فقط وجه حزين/غاضب وربما كلاهما معاً.

في غرفة المرايا, عاد الفتى وقد انكسرت مرآة وبقيت وثلاث .. ثلاث ايدي تمتد نحوه والرحلة الأخيرة لم تكن مفرحة جداً فما الذي ينتظره ..
مد يده نحو الرجل الثاني ..

ذات الضوء.. اللهفة تقل, ما الذي سيراه هده المرة ..
حسنا.. بدأت الرؤية توضح له .. لقد رأى هده الضاحية الجميلة الهادئة, رأى أيضا تلك المنازل المصطفة بحب حول حدائق صغيرة جميلة, رأى كلب يركض نحو صغيرين يلعبان وزوج يحضتن زوجته بحب كبير .. رأى تلك الأسرة الصغيرة وهي تشع بالفرح والحب والدفء وكل الاشياء الجميلة التي كان يشعر بها ولا يعرف مسميات لها |
لقد رأى دلك الرجل من قبل, رأى تلك الشامة التي على عنقه من قبل .. إنه هو .. هذا الفتى هو هذا الرجل, هو هذه الاسرة الصغيرة الرائعة
| هدا الفتى البائس القادم من المأتم البارد الموحش يتحول لهدا الرجل السعيد |

يا الهي .. يالهذه الراحة .. يالهذا الفتى ويالهذا الرجل الخالي من الملامح والقابض على يد الفتى |
عاد الفتى للغرفة .. الرجل بملامح مريحة, بإبتسامة راضية.. حيا الفتى وانصرف تاركاً إياه مع وجهين خاليين ليرسمهما الفتى ..

مد يده بسرعة للرجل الثالث, أراد أن يلحق بلهفة لتكملة المشهد الرائع السابق,, ربما سيقبل الرجل/ الفتى تلك الزوجة الجميلة المحبة |
ضوء ساطع, ضوضاء
طنين
صراخ وصوت قنابل ورصاص
فتح الفتى عينيه ليجد خراباً.. لقد كانت مدينة غريبة.. لا يعرفها وحتما لم يزرها من قبل, كانت النساء تبكي والرجال متساقطين على الأرض .. الاطفال أيضا .. الطائرات تحلق وترمي بقنابل وصواريخ, المدينة تحترق والكل مرعوب .. لقد شعر الفتى بكل ذلك الالم .. بألم المباني وهي تنهار فوق سكانها, تحطم عظامهم وأحلامهم وكل ماكانو يحلمون به, شعر بألم النساء المكلومات ووجع الاطفال , شعر بكل ذلك دفعة واحدة حتى شعر بأن صدره يحترق فصرخ, صرخة بجنون
صرخ حتى كادت حدقاته أن تخرج من محلهما, صرخ لانه ومع كل ذلك الألم شعر أيضا بالسعادة, شعر بأن هناك طرف اخر في هده المحرقة يشعر بالسعادة .. ربما كان دلك الرجل في الطائرة .؟ الرجل دو القنابل والصواريخ .. ربما كان الرجل الذي ارسله .. ربما
انتهت هده الرحلة بجنون تام
عاد الفتى وارتمى على الارض بهول عظيم وخوف اعظم.
اختفى الرجل هده المرة وعلى ملامحه حب الموت.. ستسأل نفسك كيف تكون ملامح الموت ؟ ساقول لك أنظر حولك وستعرف.. انظر لهدا العالم البائس وهو يغرق في الموت وستعرف |

المرآة الأخيرة .. الرجل الآخير ..
الفتى وقد خارت قواه لا يشعر بأنه سيستطيع ان يمد يده .. نظر للرجل .. واغمض عينيه تم اشاح ببصره بعيدا ..
هده المرة لم يطالب الرجل بيد الفتى فقد اكتفى بأن طوى يده نحوه وغاب بلا ملامح .. غاب في ظلام التهم معه الفتى ..
هده المرة حين فتح الفتى عينيه وجد نفسه في الحانة, عند الباب فوق دلك الكرسي وامام الساقي وخلفه المرايا, انتفض بقوة والتفت, وجد الحضور عبارة عن كومة رجال ونساء سكريين غارقين في ملداتهم و ايزابيلا بينهم ترقص, تخط بقدميها طريق واحد, طريق ترسمه للاخرين الدين سيأتون من بعد الفتى.

 حين نظر الفتى للمرآة لم يرى نفسه هده المرة .. لقد رأى أربعة أخرين .. راي الفتى اليتيم المليء بالغضب والذي كان العالم يقبض على روحه ويثقل صدره .. رأى الرجل المرتاح البال ذو العائلة الصغيرة  والذي كان يمثل مقدار صغير من رضى الفتى عن نفسه, ورأى شيئا مظلما, شيء كان الموت والاختناق عنوانه وفي واحدة من الزوايا كان هناك وجه بلا ملامح .. كان هذا الوجه وحسب ما فهم الفتى هو الجزء الصغير من روحه الذي لا يشعر .. يصل لمرحلة ما فلا يهتم ولا يبالي.. يلود بالفرار فحسب دون ان يحرك ساكنا, كان هذا هو الذي يجلس الأن في الحانة أمام البار والساقي والمرايا .. لم يكن هدا الرجل ليتعرف على الفتى حين يدخل الحانة الان.

خرج من الحانة يحمل بين يديه ماتبقى من ذلك الفتى الذي كان عليه, تحدي الصورة العارية كان بلا معنى, خرج بروح جديدة ومعاني كثيرة لا يستطيع تفسيرها, خرج بنظرة مختلفة لهدا العالم, خرج كرجل.

Friday, June 24, 2016

العازف



ما الذي حدث لي؟ ما الذي أصابني؟ هذا الخرس يزداد بشاعة، أيها الركب المغادر.. لا تنتظرني..

أيتها الكلمات لا تقفي أمامي.. أنتِ أكبر مقاماً.. أيتها الأصابع البالية عديمة الفائدة.. لما لا تكتبين؟ لما؟!

ما كل هذا البؤس والحزن والسواد.. ما كل هذه المشاعر المختلطة والرغبة في تمزيق هذا الغلاف الخارجي البارد المبتسم طوال الوقت والتحرر منه.. ما كل هذا يا الله؟!

أيها الراجل.. أذكرك.. لقد قابلتك قبل سنوات على كرنيش عين الذياب – الدار البيضاء.. لقد كنتَ كفيفاً، لا تبصر بعينيك ولكن قلبك كان يحلق.. لقد كنتَ تعزف على عودك بكل حرية.. كانت أصابعك خفيفة.. تنتقل بين الأوتار كما لو كانت زوجاً من العصافير الملونة الصغيرة.. لقد كنت جالساً أمامنا.. في مكانك.. لكنني كنتُ أدرك وأنا أنظر إليك أنك تحلق.. أن روحك تعزف الألحان قبل أصابعك.. لقد شدني الأمر.. وابتسمتُ كثيراً.. رأيتك تضع قبعتك على الأرض.. لا ترتجي من الواقفين شيئاً.. من ظلال أرواحهم شيئاً لكنك وضعتها.. كنت أريد أن أتقدم نحوك وأخبرك أن عزفك كان رقيقاً، خفيفاً.. حتى أنه تسلسل لحنايا خاطري.. كنت أراك تحلق بالمكان بموسيقاك.. وكانت بصيرتك منفتحة حول العالم الذي لم تكن تراه.. العالم السيء البشع.. العالم المليء بالقذارة الذي أراه..




ما الذي جعلني أذكرك الآن؟ .. حسناً؟... لقد مرت أشهر طويلة جداً مذ كتبت شيئاً وكان هذا الأمر أشبه بجاثوم يخنق صدري ويسحق أضلعي ويخرم في عظام ذاكرتي كشريط متقطع مليء بالغربة وعدم المقدرة وهما نقيضان لا يلتقيان.. إذ كنتُ مراراً أهرع نحو هذه الشاشة وهذا الكيبورد المعتم لأحاول الكتابة كما كنت أفعل سابقاً.. لقد كنت أكتب طوال الوقت.. كان كلاماً عادياً في أغلبه لكنني كنت أكتب.. أما الآن فأنا لا أجد ما أكتبه..

حين كان الحزن يحركني كدمية معلقة بخيوط الوهن والخوف كنت أكتب بغزارة.. ثم زارني الفرح.. فكنت أنانية بما فيه الكفاية لأتوقف عن الكتابة وأحتفظ بترف الفرحة لي وحدى.. أظني كنت قد قرأت شيئاً مشابهاً.. شيء مثل "نجيد مشاركة الحزن لكننا نفضل الاحتفاظ بالسعادة لنا وحدنا" نحن أنانيون.. أنا أنانية..
لكنني الآن لست بخير.. ولا أستطيع الكتابة أيضاً.. لا أملك موهبة أخرى.. لا أملك أنامل ذهبية جيدة بما يكفي لأعزف.. لا أجيد الرسم ولا أجيد الحياكة، لا أجيد حتى وضع مساحيق التجميل لأحاول العبث بوجه صديقة ما..

لا أجيد شيئاً في الحقيقة.

إن ما يخيفني في هذه اللحظة بالذات هو وأنني رغم كل الأسطر السابقة التي كتبتها إلا أنني لم أقل حقاً ما كنت أود قوله.. لكنني ذكرت ذلك الرجل.. ذكرت الغرباء الذين تخلدهم الذاكرة والصور.. تذكرت أيضاً الحرية التي كان يتمتع بها ولم أكن لأملك نصفها الآن .

صديقي، الرجل الغريب ذو الأصابع الذهبية.. سلامٌ عليك أينما كنت وسلام على روحك وحضورك وكل ما كنت تراه خلف السواد ولم تره أعيينا المحدقة في النور.

على ذات الكرنيش كانت تقبع هذه المنحوتة .. كلاهما صامت.

Tuesday, October 27, 2015

جســـر

حـــــافة
ولكنني لا أريد أن أموت حافية القدمين..
أعني ألن يكون الأمر بائساً بما فيه الكفاية حين تستيقظ المدينة على خبر اكتشاف جثة لفتاة في منتصف العشرينات – حافية القدمين؟
كل تلك الطرقات الطويلة التي مشيتها، كل الليالي التي قضيتها وأنا أركض هاربة من كل شيء.. كل هذه السنوات.. ستنتهي وأنا حافية القدمين؟
في الغد ستنتقل الأخبار، ستكتب الجرائد عن الفتاة التي وجدت ميتة، وجدت حافية القدمين.. لن يذكروا اسمي غالباً، سينسون كل التفاصيل وسيذكرون أني كنت حافية القدمين وأنهم حين وجدوني كانت قدماي حافيتين ولا تحملان بقايا الخطوات.. ربما سأمسي مادة دسمة لنسج القصص المرعبة وربما تستخدمني الأمهات لإدخال الرعب في قصصهن المملة التي يحكينها لأطفالهن قبل النوم، ربما سيذكر أهل هذه المدينة هذا الجسر كمنطقة مسكونة من قبل الفتاة الحافية القدمين..
لا أدري... ولكن ليست هذه هي النهاية التي أريدها.. أريد أن أموت وأنا أرتدي حذاءً فاخراً من الرن واي في الحقيقة..
لا أريد أن أغادر دون أن يقابل حذائي وجه الذين سينتشلون جثتي صباحاً..
سأنزل هذه الليلة عن هذا الجسر .. ولكنني سأعود حين أعثر على حذاء.



موعد
ليس حذاءً غالياً، ولكن لا يوجد في هذا العالم حذاءٌ غالٍ بما يكفي ليليق بقدميها المقدستين...
أرجو أن يعجبها.. لا أظنها ستغضب مني، لا تحب أن أكلف نفسي بإحضار هدايا لها، لكنها طلبت مني أن ألتقيها هنا لنذهب ونبحث معاً عن حذاءٍ مناسب.. ياه، لازلتُ أذكر حين التقينا هنا لأول مرة.. كانت تفصلني خطوةٌ مترددة واحدة عن أن أكون خبراً بائساً عابراً في هامش جريدة اليوم التالي.. كنت أظن بأن الشمس تُشرق صباحاً في السماء، ولكن ذلك اليوم أشرقت الشمس ليلاً في هذا الجسر.
كم كان شيئاً.. كان شيئاً غريباً ورائعاً.. المكان الذي أتيت أبحث فيه عن الموت.. وجدتُ فيه الحياة.. بين يديها...
مازلتُ أذكر كل كلامنا تلك الليلة.. مازلتُ أذكر كيف اقتربت مني.. وقفت بجانبي تماماً.. اخترقت كل جدران الخجل والحزن، نظرت إلى داخل داخل روحي، وتحدثت معي – أنقذتني.

اسم
-        ماذا تفعل هنا؟
-        ... آه... أ.. أنا.. لا أفعل شيئاً...
-        أها.. إذاً أنت تريد أن تفعل نفس الشيء؟
-        م.. مــ.. ماذا؟
-        حسناً، من الجميل الحصول على بعض الرفقة.. اسمي هو... وأنت، ما اسمك؟
-        ...
-        ألا تريد أن تخبرني اسمك؟
-        ... أنا...
-        أترضى أن أموت دون أن أعرف اسمك؟
-        مـ.. ماذا؟! تموتين؟!...
-        أوه، ما بك؟! أظن أننا هنا لنفس الغرض، أليس كذلك؟
-        ...
-        حسناً، يبدو أنني سأموت برفقة شخص لا أعرف اسمه.
-        اسمي هو...
-        أها، هل رأيت.. كان ذلك سهلاً، صح؟
-        نعم...
-        ما رأيك.. هل هذا مكان جيدٌ لنموت فيه؟
-        لا.. لا أعلم..
-        أوه، وضعك مأساوي! حسناً، يبدو أنني سأضطر لتأجيل الأمر مرةً أخرى.. تعال...

حذاء
ذلك اليوم، أمسكت بيدي، وأخذتني بعيداً عن الجسر، عن الحافة، عن الموت.. كانت تردد اسمي طوال الوقت، وكنت أشعر بأن هذه أول مرة في حياتي يكون لي اسم، أشعر بأنها هي من منحتني اسمي.. أشعر بأنها هي من أنجبتني ذلك اليوم، منحتني الحياة، منحتني اسمي، وأخذت بيدي لتعلمني كيف أعيش.
وها أنا ذا أنتظرها في مكان ولادتي...
أرجو أن يعجبها الحذاء.. إنه لا يليق بقدميها المقدستين.. ولكن، على الأقل سيحول بين الأرض وبين قدميها، فهذا العالم الحقير لا يستحق نعمة أن تدوس عليه بقدميها..
هل كان يجب أن أغلف الصندوق؟
ياه! سوف ألمس قدميها وأنا أُلبسها الحذاء! كلا، لن ألمسهما وحسب، سأقبلهما أيضاً... سأقبل قدميها..
لا داعي لتغليف الصندوق، سنخرج الحذاء ونتركه.. سنترك الصندوق، ونأخذ معاً قبلةً وننطلق.. نغادر الجسر..

خطوة
الجسر مجدداً، لكن ليس على الحافة، ولست وحدي.. إنه هنا.. يحمل في يديه صندوق صغير وابتسامة ارتداها بخجل.. لقد عاد من أجلي.. وأحضر حذاءً جميلاً كان قد زينه لأجل قدمي بأمنية.. كانت قبلته على قدمي أول خطوة.. وقبلتنا بداية الرحلة.
كل الطرقات القادمة سنمشيها معاً، كل الخطوات الجديدة سنخطوها معاً، أحذيتنا هذه ستصير هويتنا، في الصباح سيعانق بصرنا نور السماء، نركض خلف ظلالٍ هاربة، سنضحك كثيراً وسنجمع قصصاً كثيرة، سنعود لنحكيها لبعضنا البعض في المساء، كلٌّ كما شاهدها، سنرسم سوياً الطرقات التي لم نجدها وسنصل بها لأينما أردنا.. سيكون هذا الجسر بدايتنا وهذه الأحذية الجديدة موعد انطلاقنا.. لا خطوات ملتصقة بالطرقات.. لا أقدام حافية بلا هوية.. لا شيء سوى أنا وأنت والحياة.



جريدة
في اليوم التالي مر عامل نظافةٍ ببطء فوق الجسر.. التقط صندوقاً فارغاً وألقاه في عربته.. ثم التقط جريدة ذلك اليوم.. ابتسم لخبرٍ صغير في الطرف ثم قرر أن يطوي الجريدة ويضعها في جيب معطفه ويكمل عمله.





مات غريباً في وطنه


بدايةً.. هذه ليست مادة للكتابة أو للتداول، هذه رسالة لبشرية فقدت إنسانيتها.


17 فبراير (الثورة).. كانت البداية.
ولأن حديثي هذا سيطول فأنا لن أطيل الحديث عن الثورة الليبية التي يعرف الجميع تفاصيلها ويعرف جلّهم نهايتها وما نتج عنها من شقاق بين أبناء الوطن الواحد وعداء بين الأهل والإخوة نتيجة اختلاف الأراء والانتماء.
طوال أربع سنوات كتب العديد عن سكان ” تاورغاء” كيف أنهم رُحلوا وهُجروا من منازلهم، نادى البعض بوجوب إبادتهم ونادى البعض الآخر بالتفكير في إمكانية تحويل مدينتهم الصغيرة لحديقة حيوانات.
في خضم الثورة الليبية ارتكب البعض أخطاءً وهذا ما لا يمكن تبريره أو تناسيه لكن العقاب وجب أن ينزل على الجاني لا على العِرق، لا أن ينزل العقاب على نساء وأطفال وشيوخ ومرضى لا حول لهم ولا قوة، العقاب كان قاسياً في ظل غياب القانون لهذا لم تتغير الأوضاع كثيراً، تاورغاء خالية حتى اللحظة، أهلها يسكنون الخِيم و”البراريك”، تدور فصول السنة واحدة عليهم بصيفها وشتائها، برداً وحراً.
images
في الحديث عن تاورغاء سأكون مخطئة لا محالة، سيكرهني البعض، سيظن البعض أن لا دخل لي في أبناء الوطن الواحد ومشاكلهم، في الحديث عن تاورغاء قد أجلب عداءً لنفسي مع من لا أعرفهم.. في الحديث عن تاورغاء وجب الحديث عن تاورغاء.
أذكر ذلك الصباح جيداً، لقد سمعت باب منزلنا يهتز على إثر طرق مستمر عليه وصراخ أطفال بكلمات لم أفهمها في حينها، حين فتحت باب المنزل كانت ” ياسمين” و”أريج” تبتسمان وتتسابقان لإخباري بعودة والدهما، تقول الصغيرتان ” بابا جي يا نورا، بابا جي” أذكر أني فرحت كثيراً، فرحت لفرحتهما ولتلك اللمعة التي برقت في أعينهما ذلك الصباح، كانتا صغيرتين جداً على أن تفقدا والدهما ببساطة لأنه ” تاورغي”، كانتا أصغر من أن تفهما أن ثورة الحق التي تحملان علمها فوق سريرهما وتغنين أناشيدها كانت السبب في منع والدهما من الدخول.
مر ذلك الصباح وسط فرحة الجيران بعودة جارنا “عمي حسن” ذلك الرجل الخمسيني الطيب، لما لا أحكي لكم قليلاً عن “عمي حسن” ؟
تعود معرفتنا به لسنوات طويلة، حين انتقل هو وزوجته الحديثة للسكن في البيت المجاور لنا. أذكر القليل من تفاصيل تلك الفترة وأذكر أن عند ولادة “أريج” كنت أزورهم لألعب بها قليلاً، كانت تبدو لي كدمية في وقتها.
بعدها بسنة واحدة ولدت “ياسمين” ولم يرزقهما الله بعدهما بأبناء.. لكنهم كانوا يمثلون الأسرة البسيطة الطيبة المعشر، كانت الأم مصراتية الأصل والأب تاورغي، أسرته وإخوته وكل أقربائه هم من سكان تاورغاء.
مرت الأيام سريعة حتى وصلنا لعام 2011، بداية الثورة كما يعلم الجميع قام النظام السابق بتوزيع مبالغ مالية تقدر بقيمة 500 دينار على بعض الأسر لمحاولة استمالة النفوس بالمال ولأن البعض لم يكن يجد مشكلة في الاستفادة من أموال الدولة “رزق حكومة ربي يدومه” فقد استلمت بعض العائلات المبلغ وكان من ضمنهم “عمي حسن” الذي أخذ تاكسي من مصراتة إلى تاورغاء لكي يختموا له في كتيّب عائلته ختم الاستلام.
خرج “عمي حسن” ذلك الصباح ساعياً خلف رزق الحكومة ليجد نفسه محاصراً في تاورغاء وسط الأرتال العسكرية وأصوات الرشاشات والشباب المغرر به… هل ذكرت أن “عمي حسن” مريض سكري وضغط الدم وقليل صحة ؟ لا.
لم يكن يقوى على الانظمام للجيش لكبر سنه لكنه قرر البقاء بجانب والدته وأقربائه في تاورغاء لتشتعل نيران الحرب وتنهش جسد الوطن موقِعة أبناءه في شرها.
رُحل سكان تاورغاء وأصبحت خالية على عروشها بمرور الأيام، تناثر الأهل شرق وغرب البلاد والبعض غادرها بلا رجعة حتى الآن.. كان نصيب “عمي حسن” ووالدته وأقربائه أحد مخيمات طرابلس.
مخيمات هزيلة التجهيز، يفترشون الأرض، سقفهم الخيام وبقايا أحلام أرضهم والوطن.. مرت سنتان على خروجه من منزله دون رجعة وفي يوم عودته استقبلته أسرته كما استقبلته جماعة من الأمن من أجل التحقيق معه والتأكد من خلفيته ومن إمكانية تورطه في الجرائم التي ارتكبها بعض أهل مدينة تاورغاء في حق الوطن ومدينة مصراتة.
لم يكن على “عمي حسن” أي ملاحظة، سجله نظيف كما كان قلبه، وجدوه دون أي سوابق كما أنه لم يشارك في أي حدث أثناء الثورة ” لم يكن قادراً”.
أعادته دورية الأمن لمنزله ذلك المساء وطلبوا منه أن يغادر المدينة في أقرب فرصة، تقول زوجته أنهم قالوا له ” أطلع من مصراتة أحسنلك، ما عليك شي لكن مش حيخلوك في حالك”.
استيقظنا على صوت بكاء وصراخ طفلتين، استيقظنا على خبر موت “عمي حسن” في خيمته الصغيرة في المخيم لتجد زوجته نفسها وحيدة بابنتين يتيمتين، هي في مدينة وزوجها المتوفى في مدينة أخرى.
بعد ساعات قليلة وفي إحدى المكالمات أخبرتنا أنه لم يمت وأنه قد دخل غيبوبة سكري وأن أهالي المخيم وأسرته وحتى أخته التي كانت قد أخبرتها أنه توفي قد كانوا يظنون أنه توفي وأنه وفور استقباله في المستشفى أدخلوه غرفة العناية المركزة ليستيقظ بعدها بساعات..
تقول أنها حين وقفت بجانب رأسه وهو ملقى على سريره كان يتحدث بصورة مغايرة لما كان عليه سابقاً، قالت أنه كان يبدو أكثر هدوئاً وأكثر توازناً وأن صوته كان أعمق وأهدأ.. قال ” شن الريح اللي جاباتك لينا؟” ممازحاً زوجته التي لم تصدق أنه يتكلم بل ويمزح أيضاً.
قضت زوجته تلك الليلة معه لتعود صباح اليوم التالي لمصراتة وتودع طفلتيها عند أسرتها وتأخذ بعضاً من الملابس والاحتياجات الخاصة التي قد تحتاجها أثناء بقائها معه في المستشفى.
مرت ثلاثة أيام وهي تنام أغلب وقتها في المستشفى وتقضى بقية الوقت بين الاستماع لآراء الدكاترة ومشاهدة الطلبة وهم يدرسون حالته وهم يعتبرون ذلك الإنسان بكل ذكرياته وكينونته مجرد “حالة” يجب دراستها.
لم تحتمل ذلك ولم يحتمل هو الآخر كل ذلك وفي عينيه صغيرتيه البعيدتين.. كان يطلب منها مراراً أن تعود للمنزل وتتركه للمشفى، لقد اعتاد المرض واعتاد السرير قبلاً.
بهذا ما كان للرجل إلا أن يشد الرحال عائداً نحو المخيم.. نحو الجوع والقهر والعيش بمذلة بعد أن كان معززاً مكرماً في منزله.. يقول البعض أنه مخطئ حين ظن أن 500 دينار تستحق كل هذا، ولكنني أقول أن لا أحد منا في ذلك الوقت كان يظن أن شيئاً مما حدث قد يحدث.
عودة “عمي حسن” لم تكن طويلة كفاية، بعدها بيوم غادر لتغادر معه فرحة ابنتيه، لتغادر أحلامهما وطفولتهما وكل ما يرتبط بوالدهما معه.
تزوره ابنتاه وزوجته من حينٍ لآخر، لكنها في كل مرة كانت تعودة حزينة باكية قائلة إنهم في وضع غير إنساني وأنها تخشى على ابنتيها، تخشى أن تلتصق هذه الصور له وهو “مُشرد” كصور أخيرة لوالدهم.. كانت أيضاً تشير إلى أن صحة زوجها صارت تتدهور وأنه يواجه مشاكل في التنفس وأن “المستشفى الطبي” لا يقدم المساعدة اللازمة.
مرت الأيام وتدهورت صحة “عمي حسن” ليتم تشخيص مرضه على أنه إلتهاب حاد في الرئة وأن وضعه الصحي سيء بصورة لن تفيد معها الأدوية والعقاقير ولن يتبقى له سوى أيام قليلة وجب أن يمضيها على فراش دافئ وسط أسرته الصغيرة وطفلتيه اللتين لم تبلغا الثانية عشر بعد.
عادت زوجته لنقضي معها بعض الوقت كجارات وكصديقات، كانت تحكي بحرقة وتقول ” قالولي مات، ماعرفتش شنو نقول للبنيات، بنياتي ياربي شنو نقوللهم” كنا نبكي.. كنت أبكي لأجلها ولأجل الطفلتين ولأجل ذلك الغريب في وطنه، ذلك الملقى على سرير المرض بعيداً عن أسرته.
فجر 10/03/2015، سمعت صراخاً، خرج على إثره الجيران راكضين نحو مصدره، لقد كانت زوجته هذه المرة أيضاً، لقد كانت تبكي بحرقة وتقول أن حسن مات وأن هذه المرة هو خبر صحيح وأن مَن هاتفها هو دكتور بالمشفى كانت قد تركت رقمها له ليخبرها إن جد جديد، لقد كانت تبكي طالبةً الصبر، تبكي هي ونبكي نحن، أنا، أمي، والجارات، كنا نشاركها البكاء على غريب كان ذات يوم بيننا ومنا.
أمسكتني من يدي وطلبت مني أن أغلق باب غرفة ابنتيها قبل أن يسمعا البكاء ويستيقظا..
كان ذلك أسوأ ما ممرت به حتى الآن.. اتجهت صوب الغرفة لأغلق الباب لكنني وجدت أنهما شبه مستيقظتين، دخلت ابنة خالتهما معي وكان عليّ أن أزف لهما خبر وفاة والدهما، أن أخبرهما أنهما فقدا والدهما بحق هذه المرة وأنه لن يعود للحياة كما حدث في المرة السابقة، كان عليّ أن أخبر طفلتين لم تصلا الثانية عشر من عمرهما بعد أنهمن صارتا يتيمتين.
كان ذلك من أسوأ ما مررت به بحق.. أدري ما سيتركه هذا من أثر على نفسيتهما كتكوين نفسي سوي أو غيره..
أخبرتهما بألا تبكيا من أجل والدتهما وأن تقرآ بعض الأيات القرآنية البسيطة التي تحفظانها.. كان الأمر كحلم سيء وددت لو أستيقظ منه.
فجراً توفي “عمي حسن” غريباً في وطنه، بعيداً عن منزله, مشرداً بعد عمر قضاه في عز وطنه.
قبل قليل دخلت جدة الطفلتين، امرأة طاعنة في السن، دخلت باكية وهي تنوح قائلةً “يامينتي.. يامينتي يا بو البنية، منهو بيا، من بعد قلة الفدِيّة” ” يا مينتي يا حسونة، ترجع نشوفك” ” يا مييييينتي بنيّاتك قزازين ” ..
– ” نوضي يا بنتي معايا لحوش بوك الله يرحمك، نوضي عزا راجلك في حوش بوك”.
– ” ماسد ما ماتش في حوشه وحدا بناته، ما سد حتى عزاه يا أمي مانديراش في حوشه.. أنا قاعدة في حوشي”.
images0
كان هذا آخر ما استطعت أن أحتمل سماعه قبل أن أغادر.
مات غريباً في وطنه.

قانون الطاقة: أو كيف تحول عامٌ كامل إلى ورقةٍ خريفية بسبب أغنية وقبلة

leaf
ها أنا أتخبط محاولةً الابتعاد والتحرر من ضغط ذراعيه، العرق في كل مكان، لقد كانت رائحة الحب والرغبة والاشتياق والخوف تعبق بالمكان، أشعر بأني أحترق، رئتاي تشتعلان أكثر مع كل نفس أخذه كأنني كنت أنفخ فيهما ليشتعلا أكثر وبصورة أسرع.
كل شيء مشوش غير واضح، لا أستطيع الرؤية بوضوح.. حسناً، يبدو أنه قد دخل شيء ما لعيني، أوه.. إنها مجرد ماسكارا رخيصة وقد اختلطت بالدموع والقبل وسالت، إنها تحرق عيناي وتشوش الرؤية، وثقل هذا الجسد كما لو كان لجثة ميتة.. إنه يأبى الحراك.
“لا, لا تقبّل عيني”
“لما لا؟”
“لا أدري، لا تفعل فحسب..”
أنا أكذب مجدداً، أنا أدري لما لم أرغب بقبلة من شفتيه على عيني.. إنها تلك اللعنة التي حلت علي حين سمعتها مصادفة على هيئة أغنية قديمة.. “بلاش تبوسني في عينيا دي البوسة في العين تفرق”.. أجل إنها كذلك.. مجرد كلمات كبقية الكلمات المستهكلة للأغاني القديمة التي لم يعد أحد يستمع لها لكنني كنت أخشى أن نفترق.. عشرات القبل حول الجسد وكانت واحدة كفيلة بتفرقتنا لذا لم يكن الأمر يستحق المجازفة..
لم يكن الأمر يستحق المجازفة لكننا فعلنا، أعني هو فعل وقبلني على عيني تاركاً أثراً خفيفاً من السواد على شفتيه، ـخبرته بشأن الماسكارا الرخيصة وبشأن هذا النوع من الحب الرخيص الذي لا يصلح سوى لليلة واحدة.. أو ربما لصباح خريفي واحد لكنه لم يأبه ولم أفعل كذلك.
                  *                                 *                                   *
إنه لمن المذهل كيف لعام واحد أن يغير فينا الكثير، أنا قبل عام لا أشبهني، في هذا المكان تحديداً كنت في مثل هذا اليوم متأخرة بعام.. أتخلص من أثر قبلة على عيني مودعة معها كل شي.
أحب الخريف، إنه فصل يشبهني، تائه بين الفصول لا يدري أأريد به صيفاً أم شتاءً.. إنه كل شيء إلا نفسه، فيه من روح الشتاء والصيف والربيع.. إنه البداية والنهاية في آن، إنه لسعة البرد التي تقرص أنفك صباحاً ولفحة الشمس التي تهرب منها عند الظهيرة..
في الخريف أنت ورقة أخرى تسقط ليتلاعب بك القدر.. أنت شيء آخر مختلف تماماً عما كنته تستمع لموزارت أمسية الجمعة ثم تقرر صباح السبت أنك ستقضي الليلة في أحد البارات الرخيصة تتجرع الشراب الرخيص، تستمع لموسيقى سيئة وتتنفس الهواء الرخيص المشبع بضحكات الراقصات والرجال الآخرين الذين لا يدرون أي فصل هم.
إنني في الغرفة لوحدي، لكنني أتحدث إلي بصوت منخفض وأستمر بطرح الأسئلة التي لا أعرف إجاباتها.. إنني أشعر بثقل.. كما لو كانت الدنيا بأكملها تجثم على قفصي الصدري الصغير.
من أين جاء هذا الصوت.. إنه هادئ، إنه يخبرني أن كل شيء سيكون على مايرام.
 Leaves-Street
إنها في مكان ما، في الوجوه الغريبة التي تخلدها الصور وومضات ضوء الكاميرا، في الوجوه التي تصادفني كل يوم في الطريق، في المدرسة، في الكاراج.. إنها في الأصوات وداعايات التلفزيون.. في كل الطرق التي فاتني أن أمشيها، في كل محطات القطارات التي أفوتها كل يوم ولم أنزلها.. في قارات العالم الخمس التي لم أزرها واحدة واحدة، في كل الشواطئ الأسترالية الذهبية الرائعة التي لم أستلقي عليها.. إنها في كل الأحلام التي صحوت صباحاً ولم أذكر منها شيئاً، في أناشيد الصباح المدرسية التي كنت أفوتها عن قصد كما أفوت وطنيتي الآن، في المعتقدات والعادات والمحرمات، في نظرة همنغواي للعالم، وروح باخ القاسية، في بؤس إدجار آلان بو وظلم الحياة له.. إنها في كل مكان ربما.. روحك التي تخشى أن تضيعها هي بالفعل ضائعة منك.. إنها تتشرب العالم بصورة معلومات وأغانٍ ورؤى وأحداث تنهال عليك كل يوم كتفاصيل ليوم عادي، إنها تسرق روحك وتكسرها لمليارات القطع وتنثرها حول العالم.. تحول كل ما مر بك كمعلومة أو كأغنية تسمعها في راديو التاكسي وأنت عائد من جنازة أحدهم، أو كصديق المرة الواحدة العاشر بعد المئة الذي تقابله في رحلتك هذا الصباح بالميترو صوب عملك.. إنها روحك يا رفيقي ولا شيء غير الروح سيدوم، إنها طاقة متجددة ولا تفنى.. لست بحاجة لسرد نظرية لافوازييه، أنت حتماً تذكرها من دراستك بالماضي.. ألم أقل لك أنهم يعدوننا في هذا المجتمع للتلقي والتشرب والاستقبال حتى نتشبع ونفقد قدرتنا على التركيز.. إنها الطاقة التي لا تفنى ولا تستحدث من عدم بل تتغير من صورة لأخرى!
إننا نتغير، نتحول، نتجدد ولكننا لا نفنى إلا بالصورة المستهلكة التي جُبلنا على تقبلها.. لا نفنى إلا بالموت – وحتى الموت ماهو إلا بداية!
                   *                                 *                                   *
هنا.. مكبلة إلى سرير الحنين وصوت تلك الأغنية في خلفية المشهد يجعلني أشعر بالغثيان.. إنها تغني كما لو أنها تعرفني إنها تغني ببرود غريب.. برود لا يليق بمن يخشى الفراق الناتج عن قبلة! “خلي الوداع من غير قبل.. علشان يكون عندي أمل.. وبلاش تبوسني في عينيا” إن هذه الأغنية قد صارت هوساً، صارت طاقة تنتقل لي بصور متعددة، مرة كرغبة ملحة للخروج حافية إلى الشارع والصراخ في اللحظة التي تتحول فيها الإشارة للضوء الأخضر.. أصرخ حتى يتلاشى صوتي ويتحول لصدى يصل مداه إلى كل مكان.. ومرة أخرى كرغبة عناق وسادتي والبكاء بحرقة، البكاء الذي يليق بقبلة وداع تمنيت أني لم أحصل عليها!
عام من اللاشيء، عام من ساعات الانتظار والوجوه والأحاديث غير المكتملة.. عام من الأمسيات الوحيدة، عام من الصباحات باردة.
walking-leaves

Saturday, October 11, 2014

مجرد نهاية أخرى...



إنك لا تدرك أنك تتنفس إلا حين تختنق.
خليفة الفاخري.





أردت لهذا الألم الذي في داخلي أن يخرج, أن يصير ملموساً وأن أستطيع أن أتحرر منه, أردت أن أفتح عيناي وأمسح هذه البرك الصغيرة المتكونة تحتهما من الدموع والتي صارت تتسرب ببطء متجهة نحو خدي حتى وصلت لأذناي.

أردت أن أشيح ببصري عن سقف الغرفة وأنطق صارخة حتى تنتهك صرختي  حرمة الصمت والظلام والخوف, أردت أن أبكي بصوت عالٍ, بصوت مسموع حتى أشعر أن الحروب التي أخوضها مع الألم داخلي هي حقيقية وأني أنتصر بقدر ولو صغير.
كنت أريد أن أبكي بصوت عالٍ وأنا في الدرس, في الطريق للمنزل, أن أبكي وأنا أقود سيارتي متجهة لموعد ما.. أن أبكي  وأنا أكتب حتى يصير بكائي أمراً عادياً فلا يصبح بعد ذلك له معنى..
هذا ما اعتقدته على الأقل ..

وإن كان البكاء غير كافٍ مضت هذه الليلة بصمت كما الليالي السابقة لها, بكيت طويلاً وكان الصوت الوحيد الذي بإمكانك سماعه هو صوت تنفسي مختلطاً بالدموع ثم لا شيء لفترة وجيزة قبل أن يعود صوت شهقة مكلومة ليخترق هدوء تلك الليلة.. خرجت من نوبة البكاء بهدوء كما دخلتها فاستدرت يساراً ودفنت رأسي في الوسادة مجددا.

                 *                               *                                 *

صباحاً كانت الأمور أسهل وأبسط, استيقظت دون عناء بجيوب منتفخة حول عيناي من جميع الاتجاهات حتى بدى وجهي كورم خبيث في صورة مقطعية لأحدهم لكنني لم أهتم حقاً, إذ لم تكن هذه ظاهرة جديدة لذا وقفت أمام تلك المرآة التي تتوسط غرفتي وطفقت أحدق بانعكاسي ..

كم كنت أبدو واهنة وشاحبة  بعينين منتفختين وبشرة سيئة ذات لون وملمس بارد.. هذا لا يطاق ولكنني حقاً لا أهتم ولا يشكل الأمر فرقاً,, لقد كنت مهتمة بأمور أخرى وكان كل مايشغل بالي أن أهزم ألمي, ذاك الذي يسكن دواخلي مهما كلفني الأمر.

تحت الدوش حبست أنفاسي ورفعت رأسي في وجه الماء  المتدفق, كانت المياة باردة جداً, تنهال القطرات على وجهي بكره عميق, كانت ترمي بنفسها في اتجاهي بكل عداوة, كل قطرة كانت كما لو أنها إبرة تنغرس في جلدي, تخيل إذاً كم إبرة شعرت بها تنغرس في وجهي تلك اللحظة.. استمر الأمر لدقيقة ربما ثم بدأت أشعر برئتاي تطلبان الهواء, إن رئتاي سيئتان حقاً ولا قوة لهما للاستغناء عن الهواء كما حال كل الخلق, لم أستجب ,, أردت أن يستمر الألم,, أن أصل لمستوى آخر أتغلب فيه على ما يجري بداخلي, كانت قطرات المياة المنهالة تزيد في شراستها, تسد فتحتي الهواء في أنفي وتخترق شفتاي فأبدو كمن غادر هذه الأرض في صمت نحو أرض أخرى لا يعرف طريقها أحد سواي, كنت أشعر بشعيرات الهواء الصغيرة في رئتاي وهي تنكمش,, وكان الأمر مخيفاً وباعثاً على الإحباط, إذ إن هذا الجسد من المفترض أن يكون لي لكنه ليس كذلك,, إنه قابل للهزيمة قابل للخذلان مني ومنه !

أردت أن أفتح عيناي ولكنني لم أستطع, أردت أن أنظر لوجه معذبي في تلك اللحظة ولكن قطرات المياه لم تكن لتمنحني الفرصة, لم أستطع أن أنظر,, وها هو جسدي يخذلني مجدداً, لا أذكر ماجرى لكنني وجدت نفسي جالسة على أرضية الحمام في مايبدو وأنا مبتعدة عن الدوش لا إرادياً وسامحة لدفعة لا بأس من الهواء باجتياح رئتاي ..

لقد كنت أجلس هناك مثل نهاية ما, نهاية لشيء لا أعرفه.. الأرضية باردة وجسدي صار يرتعد وأسناني أيضا بدأت تهتز في عنف, المشهد بأكمله كان يبدو كنهاية لحدث ما لكنه لم يكن سوى حدث آخر عابر. 

Friday, September 12, 2014

"الفتيات المؤدبات لا يشتمن"



أنتِ مثقلة بعروبتك, تخوضين معركة الطواحين مع واقعك؟ أنتِ كل شيء يريدونك أن تكونيه ولكنك لم تكوني نفسك يوماً؟
إذاً مرحباً بك يارفيقة الإزدواج وصديقة الوجه الآخر للحقيقة.



إن ما جئت اليوم للحديث عنه لم يسبق التخطيط له ولم يكن في الحسبان, إنه نابع عن رغبتي في شتم رجل الطاولة الرابع الذي كاد أن يقسم إصبع رجلي الصغير قبل لحظات, إن اللحظة التي إرتطم فيها إصبعي مع رجل الطاولة كانت جزء من الثانية ولكني شعرت  كمن هبطت صاعقة على رأسه, لقد إرتفعت حرارتي دون سابق إنذار وشعرت بالكلمات وهي تتدفق من فمي ولكنني سارعت لكي  ألجم كلماتي فخرجت مشوشة ببدايتها " يلعنــــــ ............" وستمرت كذلك حتى بردت نار ألمي وسط صمت الأسرة وإنتظارهم للكلمة الثالية والتي لم تخرج لهذا العالم قط في تلك اللحظة .

                                           *                                      *                                      *

"الفتيات المؤدبات لا يشتمن".

كانت تلك أول مرة يقرن فيها أحدهم أخلاق الفتاة الجيدة  بالشتائم أمامي وقد وُجهت هذه الجملة لي وأنا أذكر ذلك الموقف تماماً فقد كنت في الصف الثالث الإبتدائي ربما وكنت أكره الفتاة التي  تجلس في الكرسي المجاور لي إذ أذكر أنها كانت تتعمد رمي الأوراق تحت كرسيّ حتى يبدو متسخاً لذا ماكان مني ذات يوم إلا أن شددتها من يدها وقلت لها " ياحمارة" ببساطة لكنها سارعت لإخبار المعلمة والتي بدورها نادتني لتقول لي "الفتيات المؤدبات لا يشتمن" وتدفعني للإعتذار من عدوة الطفولة.

*هل لي أن أشير أني لم أعد أستعمل تلك الكلمة منذ ذلك الحين وإن دعت الحاجة لكتابتها في حديث أو مزحة فإنني أكتبها : حمــ**ارة.

بعد كل هذه السنوات من الحادثة أود لو ألتقي بعلمتي تلك لأخبرها أني فتاة مؤدبة جداً بالظاهر ولي صديقات مؤدبات كذلك لكننا نشتم, نشتم كثيراً وفي مواقف مختلفة, نشتم حين نسمع خبراً جديداً وحين نحزن وحين نتعرض للألم وحتى حين نرى شاباً وسيماً فنقول بما معناه " حى على أمه الفرخ" وهو ما إن حاولت أن أشرحه فسيطول الأمر ولا مجال للإطالة أكثر.
ما أعنيه أن الشتائم مختلفة تماماً ولها أنواع وأشكال ومواضع في الحديث والمواقف والحاجة لإستعمالها, كما أن الشتائم لا يجب أن تكون حكراً على الرجال, لا يجب أن تكون إمتيازاً كأننا نحن معشر النساء لا نقوى على إستعمالها.
لا يجب أيضاً قرن أخلاق الفتاة بلسانها, إنها تصونه أمام الجميع لكن هذا لا يعني أنها لا تعرف عم تتحدث أو أنها لن تتعرف على الشتائم إن سمعتها كما لأن أهم ما أود أن أشير له أننا نحن,,. معشر الفتيات نعلم أكثر مما نظهر والشتائم ماهي إلا غيض من فيض وما نعمل على إخفاءه أعظم,
إن التربية ودور الأسرة عوامل مهمة جداً لصقل ملامح شخصية الفتاة النهائية ولكن هذا لا يعني أن مشاهدتها للتلفاز, مخالطتها للآخرين, العوالم التي نتنفتح أبوابها في داخلها وتخوض حرب ضروس بينها وبين نفسها لتفهمها ستمر هكذا ببساطة, إن كل هذا محسوب, وكل ما ذكرت يغيّر من هذه الملامح لذا كفتاة عربية في مجتمع ذكوري يبحث عن الكمال سيكون لطيفاً لو توقف البعض .
.عن قرن الأخلاق والتربية مع واقع حال وشخصية الفتاة.



                                           *                                      *                                      *
مواقف طريفة مع صديقات من الواقع الإفتراضي:

تبدأ أحاديثنا عادية جداُ وتستمر كذلك حتى تنتقل للمرحلة التالية, يشعر الطرفين بنوع من الإرتياح لبعضهما البعض قبل أن تبدأ مسابقة من سيتكلم أكثر ومن سيخبر أسرار عنه أكثر للآخر,
إن هذه المرحلة هي التي تقوي العلاقات من هذا النوع, إن مقدار ما أعرفه عنك كفيل بجعلك صديقة جيدة أو عدوة سهل القضاء عليها لكن أجمل ما أمر به معظم الوقت هو لحظة الحقيقة .. لحظة " الفقش" وأما الفقش فرغم تحفظي على بشاعة الكلمة إلا أن معناها يصف ما أود قوله, إن الفقش يعني الحقيقة, يعني تعرية الكلمات المبطنة وظهورها عارية تماماً وعادةً تتمثل تلك اللحظة بأول شتيمة تصدر عني غالباً والتي تكون بسيطة ومعتادة في البداية وتلك خطوة لأقيس مدى تجاوب الطرف الآخر مع الكلمة.
عادةً أجد تجاوب سريع مع الكلمة فترد واحدة بالمثل وترد أخرى بما هو أسوأ وبذلك نبدأ رحلة الحديث بصورة مريحة أكثر.


                                           *                                      *                                      *

"الشتائم مصطلحات أخترعناها لتجعنا نشعر بأننا أفضل حالاً"

وهذا أمر لا يمكن إخفاءه فأنت تعلم أنك حين تكون غاضباً من أحدهم /شيء فإنك تشعر بنوع  من الراحة بمجرد أن تشتمه.





.أتركوني اشتم بحرية, لن أخدش حياء أنتم تخدشونه بأنفسكم كل يوم بألاف اللعنات والشتائم.

الفتى سيء الحظ

       حين دلف له ذه الحانة الصغيرة لم يكن يعلم أن ه سيدخل شابا في مقتبل العمر ويخرج منها كهلا مل هذه الحياة . حين سحب الباب لي...