Sunday, April 27, 2014

هذه القبلة والنهاية هي لك.





الحديث مع غريبة أعجبني لون شعرها.. صباحاً.


أجابت "لا بأس, تفضل" بعد أن أشرت للكرسي المقابل لها لتسمح لي بالجلوس.
غريب يجالس غريبة وتبدأ القصص المعتادة المعاد تدويرها مراراً.

                                                       *              *               *

ولأن الأمور لن تسوء أكثر فأنا صرت لا أخشى شيئاً بعد الذي كان, لا أخشى ألا أتعرف على صورتي المنعكسة في المرآة, لا أخشى السنوات التي تمر على مهل متى شاءت وتمر بلمحة بصر متى شاءت أيضاً, صرت لا أخشى الكثير.. والأهم أني لا أخشى البرد الذي يسكن جسدي وظلي.
لأي مدى كان للطفلة التي أضاعت نفسها أن تتمادى كي تشعر أنها مقبولة؟ أنها محبوبة, وأنه مرغوب بها؟ لأي مدى يا  رفيقي ؟!
_للمدى الذي يحتاجه الأمر ربما..
للمدى الذي لن يفهمه سواها.
أجابت قبل أن تشيح بوجهها بعيداً, قبل أن تسمح لي بالإجابة, قبل أن تعلم أني لم أكن أملك إجابة في حقيقة الأمر.

كان الأمر مخيفاً, كيف لي أن أصف لفتاة أضاعت كل شيء وماعادت تملك  في هذه الحياة قيد إبتسامة أني أعلم حقاً المدى الذي قد تمضي إليه في سعيها لأن تشعر بأنه مرغوب بها.
كيف لي أن أتلقف روح مهشمة تتساقط أمامي, أن أقنعها أن يدي التي أمدها لها الآن في حديث مع غريبة لن ترتجف, لنتخذلها, لن توصلها لنصف الطريق تم تتعطل بها.
كيف لحديث صباحي مع غريبة أن يقلب كل الموازين, أن يدفعك للإبتسام والبكاء في ذات الحين..
_لما نتخطى السؤال, أعلم أنه صار ثقيلاً على روح الإنسان أن يجابه الواقع.
قالت وهي تبتسم.
لا أشعر بقدماي, والكلمات صارت تزدحم بحلقي ثم تختفي ما أن أفتح فمي لنطقها.. هاهي أمامي بفنجان قهوة يدفئ يديها وأحلام كبيرة تطفو بعينيها, بإبتسامة أربكتني قبل أن يخرج صوتي مرتعشا قائلاً :
_هل تسمحين لي برقصة؟
_هنا, في المقهى؟
_لما لا, ليس لهم علينا سلطان ثم إننا سنخرج فور إنتهاء الأغنية.
_لا أسمع أي أغنية في الأرجاء..!
_سأغني لك, ثم سنخرج من هنا قبل أن يبرد فنجان قهوتك وقبل أن تبرد لهفة الحياة في عينيك.



 
                                                       *              *               *

لأنه سيمسك يدك, سيحل محل ظلك في تواجده, سيرسم الإبتسامة على مُحياك كل صباح مداعباً مسمعك بكلمات تحبينها كلمات كنتِ تدفعين الكثير وتتخلين عن الكثير لأجلها, كلمات صغيرة لن يعلم أثرها عليك, كلمات كـ"طفلتي" "بُنتي" .. ولا بأس بـ"حبيبتي" من حين لآخر.
لأنك لا تجيدين الإحتفاظ برجل يمنحك دون مقابل, يخطو معك ويديكما متشابكتان حتى يعتصر الفرح كل الألم داخلك.
لأنه سكون كل شيء في حياتك الفارغة منك الممتلئة بهم ..
ستجرحينه مراراً, ستلقين على عاتقه وزر الراحلين, كل الذين تركوا ندوباً  على روحك.
ستحميلنه وزر أخطاءك وقراراتك الخاطئة..
ستنتظرين منه أن يكون جنتك و أنتِ التي لم تقدمي لحياتك ماتقابلينه به !

إن الذي يركل يسارك ماهو إلا قلب صدئ لا تأملي بإصلاحه.
تحبينه حقاً,, لكن قلبك كوحش كبير, كثقب أسود يبتلع كل ما يمر به.. هكذاَ .. حتى يأتي اليوم الذي سيبتلع فيه نفسه  ولا عزاء لك فيما كنتِ تمتلكين.

كل الرسائل المغلفة بعطر ذاكرتك والمختومة بقبل تحاولين قدر الإمكان أن تشابه القبلة الأولى لن يقبلها البريد, لن يرضى عنك الساعي ولن يوصلها له.
كل رسائلك .. إلى النسيان.


                           
                                                       *              *               *

تكاد أن تغفو وهو يراقصها ورأسها مدفون في حضنه, هناك عند اليسار حيث كان تستمع لقلبه وهو يرقص ثالثهما.
_لما لا نخرج من هنا..
_لا بأس.. هيا.
_أود حقاً أن نجول معاً في شوارع هذه المدينة النائمة, ما رأيك.
_ حسناً, يبدو المر ممتعاً.
بعد رقصة, وحديث قصير تبادلاه على شاطئ المدينة, بعد قبلة سرقتها من خذه وهو شبه غافل عنها عند درج المتحف كان من الأفضل لهما, أو ربما لها تحديداً أن ترحل ... لكنها لم تفعل .


لذا ساكتب نص مغاير,علّني أحصل على نهاية مختلفة.
سأقول أنها غادرته عند المحطة التالية, في أول فرصة أتاحها لها القدر لتركل مع نزولها من القطار أي أمل في أن تعيش حياة طبيعية ..كانت تلك قصة الغريبة و القبلة المسروقة. قصة المدينة الكبيرة, المدينة التي أحبتها يوماً ولكنها لم تعد تراها كما كانت تفعل منذ ذلك الصباح.






ترحل مراراً لكنك هنا, حيث أشرت لي ذات صباح خريفي حيث  ستبقى دوماً... أتذكر؟

Wednesday, April 16, 2014

كتابات الثالثة صباحاً .

                                                                






"تمشي بلا وجهة وكل الأرصفة كانت لجسدها أوطان محتملة "


وأنت تعلم حجم الخيبة المتعلقة بالوطن ستعلم حتماً مرارة أن تختزل وطنك, أرضك وهويتك ثم تسلمها لأحدهم فيقوم بتمزيق كل ما يربطك به كوطن لتغادره, أو ليغادرك متعثراً بك كل مرة..
كم كان ذلك موجعاً, حتى أني توجعت في أماكن لم أكن أعلم بوجود مستقبلات ألم بها في هذا الجسد البالي !
هذا وقد أخبرني رفيق قديم تجمعنا صحبة الطرقات أنه ومهما ساءت الأمور وبدت كأننها تتجه نحو الهاوية المحتملة فإننا سنغادر هذه الأرض و سنحل ضيوفاً على أوطان أخرى, سنقابل وجوه جديدة و ستنتفس هواءاً جديداً, ستعانق أبصارنا إطلالات مدن جديدة وزوايا شوارع لم تمشها خطواتنا, أخبرني أنهم سيضعوننا مجدداً في الخانة التي نستحق وسيعاملوننا كما كان يجب أن نعُامل منذ الأبد.
سينتهي ذلك الكابوس الذي رافقنا طويلاً, وسنغدوا أفضل حالاً و ربما أسوأ .. لا أدري حقاً, لكنني كنت ولازلت أظن بحقيقة أننا قد لا نغادر هذه الأرض يوماً وأننا سنكتفي بلملمة بقايانا و المضي قدماً, سنعود لممارسة هذه الحياة التي كنا قد أضعناها قبل أن نعيشها حقاً ..




                                                             
      " نولد بنصف مريض ونصف ميت ثم ننتظر أن نعيش حياتنا كاملة"


_وحين أشتاق للحديث, أحادثك يارفيقي ..
لكنني  أخشى أن تنتهي حياتي هذه قبل أن أجرب كل الأمور التي أود تجربتها وفعلها حتى تصير من فرط تكراري لها أموراً معتاد عليها فأملها و أتجه لأعمال أخرى أود حقاً القيام بها, أعني أن تنتهي حياتي قبل أن أعيشها..
_ وما الذي تريد فعله؟
_لست متأكداً ..
أريد أن أضحك أكثر ..
أسافر أكثر..
أقرأ و أستمع للموسيقى أكثر..
أريد الإبحار في إبتسامات الغرباء أكثر ..
أريد الكثير يارفيقي .. الكثير  حتى أنني دوماً ما ينتهي بي الأمر دون فعل شيء تقريباً .
_ وما بيدك لتفعله وقد جُبلنا على طلب المزيد في كل مرة ..




                                               "وأنت تكتب كل مرة تذكر أنك ملعون الأحرف, فتنة الكلمات وبؤس الوحدة المرافقة"


نتكلم ذات اللغة لكننا لا نفهم, نقول كل شيء إلا ما نود قوله حقيقةً..

لذا كان من غير المنصف حقأ أن أسمح لنفسي أن أكتب واصفة أي حدث, أعني .. كيف لنا أن نكتب عن المجهول من حياتنا؟ المجهول من شخصياتنا و تقنيات عيشنا؟
لا مانع من الخيال, الخيال رفيق جيد وبديل وحيد لحياة ركيكة تعيشها حيث أنت, لكنني أتحدث عن الوصف, دقة الوصف وتفاصيله في سياق الحياة, في وصف قبلة لطيفة على جبين طفلة أسعدت يومك بإبتسامة ولمسة كف دافئة, كيف لك أن تصف ذات القبلة على ذات الجبين بعد عدد من السنون, وماعاد في القلب متسع لطفلة بقدر ما هو إزدحام بحب ترجمته قبلتك التي كانت لطيفة يوماً بصورة حميمية يقشعر معها الجسد ويرتعد بسببها القلب..
كيف لك يا صديقي أن تحول جمال قبلة بريئة, القلبة ذاتها ؟!
لا أعلم ولا أظنك تعلم أيضاً لكنه ما كنت أتحدث عنه , إن الحديث عن كل مانجهله مع الإحتفاظ بنسخة حقيقة أصلية ومبدئية منك داخلة مانعاً أن تشوها الحياة ومدافعاً عنها دون المعرفة المطلقة بفائدة هذا الصراع حتى !

كيف لنا أن نتجاذب أطراف الحديث هنا على الورق, نتجاذب أطراف الحديث عن قطعة سكر لم نتذوقها ولكننا نفعل بمقتضى متطلبات الحديث !
ذلك يا رفيقي سيكون سيئاً, ذلك سيكون كوصف دقيق لطعم كل الأحلام التي حلمت بها ولم تحققها .. فهل سبق أن وصفت أحلمك تلك بصورة شعرت معها أنه الوصف المعبر عنها ؟!





Friday, April 4, 2014

حياة منحها له الرب.










مدخل:

يبدو صباحاً جميلاً من صباحات أغسطس الدافئ بشمسه الحنون, هواء عليل يدخل رئتيك فيذكرك بأنك على قد الحياة.
يستند هذا الكرسي العجوز على قوائمه منذ سنوات و أستند أنا عليه كل صباح,يحمل كلانا ثقل الآخر بطريقة مختلفة, يحمل هو وزني, وأحمل أنا ذاكرته التي إلتحمت بذاكرتي.
 مرت السنوات سريعة, ومرت الصباحات بما هو أسرع ولم أشعر بها, مرت بخفة و تلك الجميلة أمامي كل صباح تهتم بنباتات الحديقة كما جرت عادتها على مر السنوات العشرون الماضية, تجيد الإعتناء بكل المحيطين بها, تجيد الإعتناء بي كما لو كنت أحد أطفالها أو نبتة صغيرة تخشى عليها الذبول, كم كان القدر كريماً بمنحي هكذا ملاك.
أسرح بها, مرتدية فستانها الدانتيل الأبيض الذي أهديتها إياه قبل سنوات حاملةً أصيص نباتات جديد و تتحرك بخفة تليق بالمرأة التي أحببتها قبل عشرون سنة فرحة بطفلها الجديد تحلم بمراقبته و هو يكبر كل يوم.
"حياة" منحها لي الرب في لحظة جنون و كانت تلك هي الحياة التي فاتني أن أعيشها قبل أن أقابلها.
شرفة المنزل, الكرسي الخشبي, الحديقة, حياة و نباتاتها, أنا وكل هذا الكم من الحب الذي بالمكان كان أقصى ما أتمناه, الجلوس هنا على الشرفة و على هذا الكرسي العجوز ومن ثم مراقبة "حياة" و هي تبعث الحياة بكل ما تلامسه يداها مراقبتها تبتسم لي من حين لأخر و إشارتها لي بأن أغير زاوية الكرسي خشية أن أصاب بضربة شمس أشياء صغيرة كانت تجلب نوع من الراحة لروح عجوز أنهكته السنوات و أمسى كل ما يتمناه أن يزروه الموت صباحاً, جاعلاً آخر ما تراه عيناه .. "حياة" التي أحبَّ أن يعيشها.



 مشيئة الرب :


يقطع هذا الحلم الجميل صوت منبهي الصغير, أستيقظ بارد الجسد والقلب, متبوعاً بوظيفة عليّ اللحاق بها و ذوق سيء كان الرب قد إبتلاني به في إختيار الناس و الموسيقى.
نعيش يارفيقي وشبهتنا الحياة, نكتب يا رفيقي لمن غابوا وبقيت شبهتهم الحضور,, نتضرع يا رفيقي لإله يعلم تماماً ما في النفوس وما تخشاه, يعلم ما تريده وتتمناه .. لكنها ببساطة لن تحصل عليه.
تلك يا رفيقي .. حياة منحها لك الرب ثم سلبها منك كي تدرك قيمة حياتك التي لم تعشها حقاً.
عشرون عاماً وعام ولا زلت أستيقظ كل صباح  بارداً وحيداُ وفي حلقي بقايا حلم "حياة والدانتيل الأبيض" حلم لم يكن ليكون أجمل مما كان يوماً.