Tuesday, May 13, 2014

ما أقسى أني قد خُلقت بشراً يارفيقي,,



                                                                                  كل الرهانات خاسرة,لا فوز بعد خسارتك لنفسك.







إلى رفيقي, ذاك الذي لم أقابله بعد:

منهكة يارفيقي هذه الليلة ومامن مستمع جيد سواك لشكوى لا يدري صاحبها أي شر أُريدَ به.

ما أقسى الروح البشرية يارفيقي وما أثقلها حين تعتزم الرحيل, إنها تتلوى داخلي.. أشعر بها تكاد تقتلع أوصالي, إنها أثقل مما كانت عليه يوماً حتى أن هذه الكلمات لا تخرج مني, إنها فقط تجد طريقها إليك.





لا صدى الصراخ يصل ولانواح الزائرات يسمع, لايد تمتد لها وهي تسقط عميقاً,داخلها لا قاع إن القاع فقط حيث أرادت هي.
ما أقسى أن تتخلى عنك الطرقات, أن تصير لا شيء ولا أحد, تمضي بلا وجهة, لا تتعرف على وجهك صباحاً, أن تلعن الجسد الذي منحك إياه الرب لا لشيء, سوى لأنه لعنتك الأولى والأخيرة.
بؤسك يغذيه ألمك وألمك الحكايا الوحيدة التي رواها القدر لك. لا تناسبك ربما.. لكنها الطريقة الوحيدة كي تستمر بالإستيقاظ كل صباح لاعناً الروح والجسد.


تتنصل مني هذه الروح كشخصية كنت أخبئها تحت جلدي, تخمش دواخلي لتخرج, تريد أن تكون كل ما لم أستطع أن أكونه لها.
أنا يا رفيقي بين نارين, تلك التي تتكلم ويصدح صوتها الأن بصدى كلماتي هذه التي أكتبها أخرى لا أعرفها, إنها تسكنني متى شاءت, وتغادرني متى شاءت أيضاً.


ما أقسى أني قد خُلقت بشراً يارفيقي,,
ما أقسى أن يمنحك الرب سماءاً ويمنح طيوراً صغيرة اجنحة ثم ينساك.يمنحك عيوناً مليئة بالألوان والوجوه, بالإبتسامات والوعود ثم يحرمك نعمة الإكتفاء نعمة الرضى, يمنحك جسداَ بشرياً ضعيفاً وروحاً ملائكية حائرة, هائمة لا تسعها هذه الأرض.
سترحل طويلاً باحثاً حيث تجد كل مالا تريده, كل مالا يسد جوع رغبتك في المعرفة.










ما أقسى هذا العالم وقد صار يارفيقي أشبه بحظيرة كبيرة كلٌ يلقي ببقاياه فيها, يرمي ماتبقى من إنسانيته في نهاية اليوم كي ينام مطمئن البال مرتاح الضمير.
سترحل كما رحت, كما سبق وقابلت ارواح أخرى لعنتها الحياة.
إعتذرت للسماء هذه الليلة, قبل أن أكتب وقبل أن أطرح سؤالاً في وجه اللاشيء " كيف لي أن أصلح ما أفسدته يداي إن كان للسماء يد في ذلك ؟!" .

Sunday, April 27, 2014

هذه القبلة والنهاية هي لك.





الحديث مع غريبة أعجبني لون شعرها.. صباحاً.


أجابت "لا بأس, تفضل" بعد أن أشرت للكرسي المقابل لها لتسمح لي بالجلوس.
غريب يجالس غريبة وتبدأ القصص المعتادة المعاد تدويرها مراراً.

                                                       *              *               *

ولأن الأمور لن تسوء أكثر فأنا صرت لا أخشى شيئاً بعد الذي كان, لا أخشى ألا أتعرف على صورتي المنعكسة في المرآة, لا أخشى السنوات التي تمر على مهل متى شاءت وتمر بلمحة بصر متى شاءت أيضاً, صرت لا أخشى الكثير.. والأهم أني لا أخشى البرد الذي يسكن جسدي وظلي.
لأي مدى كان للطفلة التي أضاعت نفسها أن تتمادى كي تشعر أنها مقبولة؟ أنها محبوبة, وأنه مرغوب بها؟ لأي مدى يا  رفيقي ؟!
_للمدى الذي يحتاجه الأمر ربما..
للمدى الذي لن يفهمه سواها.
أجابت قبل أن تشيح بوجهها بعيداً, قبل أن تسمح لي بالإجابة, قبل أن تعلم أني لم أكن أملك إجابة في حقيقة الأمر.

كان الأمر مخيفاً, كيف لي أن أصف لفتاة أضاعت كل شيء وماعادت تملك  في هذه الحياة قيد إبتسامة أني أعلم حقاً المدى الذي قد تمضي إليه في سعيها لأن تشعر بأنه مرغوب بها.
كيف لي أن أتلقف روح مهشمة تتساقط أمامي, أن أقنعها أن يدي التي أمدها لها الآن في حديث مع غريبة لن ترتجف, لنتخذلها, لن توصلها لنصف الطريق تم تتعطل بها.
كيف لحديث صباحي مع غريبة أن يقلب كل الموازين, أن يدفعك للإبتسام والبكاء في ذات الحين..
_لما نتخطى السؤال, أعلم أنه صار ثقيلاً على روح الإنسان أن يجابه الواقع.
قالت وهي تبتسم.
لا أشعر بقدماي, والكلمات صارت تزدحم بحلقي ثم تختفي ما أن أفتح فمي لنطقها.. هاهي أمامي بفنجان قهوة يدفئ يديها وأحلام كبيرة تطفو بعينيها, بإبتسامة أربكتني قبل أن يخرج صوتي مرتعشا قائلاً :
_هل تسمحين لي برقصة؟
_هنا, في المقهى؟
_لما لا, ليس لهم علينا سلطان ثم إننا سنخرج فور إنتهاء الأغنية.
_لا أسمع أي أغنية في الأرجاء..!
_سأغني لك, ثم سنخرج من هنا قبل أن يبرد فنجان قهوتك وقبل أن تبرد لهفة الحياة في عينيك.



 
                                                       *              *               *

لأنه سيمسك يدك, سيحل محل ظلك في تواجده, سيرسم الإبتسامة على مُحياك كل صباح مداعباً مسمعك بكلمات تحبينها كلمات كنتِ تدفعين الكثير وتتخلين عن الكثير لأجلها, كلمات صغيرة لن يعلم أثرها عليك, كلمات كـ"طفلتي" "بُنتي" .. ولا بأس بـ"حبيبتي" من حين لآخر.
لأنك لا تجيدين الإحتفاظ برجل يمنحك دون مقابل, يخطو معك ويديكما متشابكتان حتى يعتصر الفرح كل الألم داخلك.
لأنه سكون كل شيء في حياتك الفارغة منك الممتلئة بهم ..
ستجرحينه مراراً, ستلقين على عاتقه وزر الراحلين, كل الذين تركوا ندوباً  على روحك.
ستحميلنه وزر أخطاءك وقراراتك الخاطئة..
ستنتظرين منه أن يكون جنتك و أنتِ التي لم تقدمي لحياتك ماتقابلينه به !

إن الذي يركل يسارك ماهو إلا قلب صدئ لا تأملي بإصلاحه.
تحبينه حقاً,, لكن قلبك كوحش كبير, كثقب أسود يبتلع كل ما يمر به.. هكذاَ .. حتى يأتي اليوم الذي سيبتلع فيه نفسه  ولا عزاء لك فيما كنتِ تمتلكين.

كل الرسائل المغلفة بعطر ذاكرتك والمختومة بقبل تحاولين قدر الإمكان أن تشابه القبلة الأولى لن يقبلها البريد, لن يرضى عنك الساعي ولن يوصلها له.
كل رسائلك .. إلى النسيان.


                           
                                                       *              *               *

تكاد أن تغفو وهو يراقصها ورأسها مدفون في حضنه, هناك عند اليسار حيث كان تستمع لقلبه وهو يرقص ثالثهما.
_لما لا نخرج من هنا..
_لا بأس.. هيا.
_أود حقاً أن نجول معاً في شوارع هذه المدينة النائمة, ما رأيك.
_ حسناً, يبدو المر ممتعاً.
بعد رقصة, وحديث قصير تبادلاه على شاطئ المدينة, بعد قبلة سرقتها من خذه وهو شبه غافل عنها عند درج المتحف كان من الأفضل لهما, أو ربما لها تحديداً أن ترحل ... لكنها لم تفعل .


لذا ساكتب نص مغاير,علّني أحصل على نهاية مختلفة.
سأقول أنها غادرته عند المحطة التالية, في أول فرصة أتاحها لها القدر لتركل مع نزولها من القطار أي أمل في أن تعيش حياة طبيعية ..كانت تلك قصة الغريبة و القبلة المسروقة. قصة المدينة الكبيرة, المدينة التي أحبتها يوماً ولكنها لم تعد تراها كما كانت تفعل منذ ذلك الصباح.






ترحل مراراً لكنك هنا, حيث أشرت لي ذات صباح خريفي حيث  ستبقى دوماً... أتذكر؟

Wednesday, April 16, 2014

كتابات الثالثة صباحاً .

                                                                






"تمشي بلا وجهة وكل الأرصفة كانت لجسدها أوطان محتملة "


وأنت تعلم حجم الخيبة المتعلقة بالوطن ستعلم حتماً مرارة أن تختزل وطنك, أرضك وهويتك ثم تسلمها لأحدهم فيقوم بتمزيق كل ما يربطك به كوطن لتغادره, أو ليغادرك متعثراً بك كل مرة..
كم كان ذلك موجعاً, حتى أني توجعت في أماكن لم أكن أعلم بوجود مستقبلات ألم بها في هذا الجسد البالي !
هذا وقد أخبرني رفيق قديم تجمعنا صحبة الطرقات أنه ومهما ساءت الأمور وبدت كأننها تتجه نحو الهاوية المحتملة فإننا سنغادر هذه الأرض و سنحل ضيوفاً على أوطان أخرى, سنقابل وجوه جديدة و ستنتفس هواءاً جديداً, ستعانق أبصارنا إطلالات مدن جديدة وزوايا شوارع لم تمشها خطواتنا, أخبرني أنهم سيضعوننا مجدداً في الخانة التي نستحق وسيعاملوننا كما كان يجب أن نعُامل منذ الأبد.
سينتهي ذلك الكابوس الذي رافقنا طويلاً, وسنغدوا أفضل حالاً و ربما أسوأ .. لا أدري حقاً, لكنني كنت ولازلت أظن بحقيقة أننا قد لا نغادر هذه الأرض يوماً وأننا سنكتفي بلملمة بقايانا و المضي قدماً, سنعود لممارسة هذه الحياة التي كنا قد أضعناها قبل أن نعيشها حقاً ..




                                                             
      " نولد بنصف مريض ونصف ميت ثم ننتظر أن نعيش حياتنا كاملة"


_وحين أشتاق للحديث, أحادثك يارفيقي ..
لكنني  أخشى أن تنتهي حياتي هذه قبل أن أجرب كل الأمور التي أود تجربتها وفعلها حتى تصير من فرط تكراري لها أموراً معتاد عليها فأملها و أتجه لأعمال أخرى أود حقاً القيام بها, أعني أن تنتهي حياتي قبل أن أعيشها..
_ وما الذي تريد فعله؟
_لست متأكداً ..
أريد أن أضحك أكثر ..
أسافر أكثر..
أقرأ و أستمع للموسيقى أكثر..
أريد الإبحار في إبتسامات الغرباء أكثر ..
أريد الكثير يارفيقي .. الكثير  حتى أنني دوماً ما ينتهي بي الأمر دون فعل شيء تقريباً .
_ وما بيدك لتفعله وقد جُبلنا على طلب المزيد في كل مرة ..




                                               "وأنت تكتب كل مرة تذكر أنك ملعون الأحرف, فتنة الكلمات وبؤس الوحدة المرافقة"


نتكلم ذات اللغة لكننا لا نفهم, نقول كل شيء إلا ما نود قوله حقيقةً..

لذا كان من غير المنصف حقأ أن أسمح لنفسي أن أكتب واصفة أي حدث, أعني .. كيف لنا أن نكتب عن المجهول من حياتنا؟ المجهول من شخصياتنا و تقنيات عيشنا؟
لا مانع من الخيال, الخيال رفيق جيد وبديل وحيد لحياة ركيكة تعيشها حيث أنت, لكنني أتحدث عن الوصف, دقة الوصف وتفاصيله في سياق الحياة, في وصف قبلة لطيفة على جبين طفلة أسعدت يومك بإبتسامة ولمسة كف دافئة, كيف لك أن تصف ذات القبلة على ذات الجبين بعد عدد من السنون, وماعاد في القلب متسع لطفلة بقدر ما هو إزدحام بحب ترجمته قبلتك التي كانت لطيفة يوماً بصورة حميمية يقشعر معها الجسد ويرتعد بسببها القلب..
كيف لك يا صديقي أن تحول جمال قبلة بريئة, القلبة ذاتها ؟!
لا أعلم ولا أظنك تعلم أيضاً لكنه ما كنت أتحدث عنه , إن الحديث عن كل مانجهله مع الإحتفاظ بنسخة حقيقة أصلية ومبدئية منك داخلة مانعاً أن تشوها الحياة ومدافعاً عنها دون المعرفة المطلقة بفائدة هذا الصراع حتى !

كيف لنا أن نتجاذب أطراف الحديث هنا على الورق, نتجاذب أطراف الحديث عن قطعة سكر لم نتذوقها ولكننا نفعل بمقتضى متطلبات الحديث !
ذلك يا رفيقي سيكون سيئاً, ذلك سيكون كوصف دقيق لطعم كل الأحلام التي حلمت بها ولم تحققها .. فهل سبق أن وصفت أحلمك تلك بصورة شعرت معها أنه الوصف المعبر عنها ؟!





Friday, April 4, 2014

حياة منحها له الرب.










مدخل:

يبدو صباحاً جميلاً من صباحات أغسطس الدافئ بشمسه الحنون, هواء عليل يدخل رئتيك فيذكرك بأنك على قد الحياة.
يستند هذا الكرسي العجوز على قوائمه منذ سنوات و أستند أنا عليه كل صباح,يحمل كلانا ثقل الآخر بطريقة مختلفة, يحمل هو وزني, وأحمل أنا ذاكرته التي إلتحمت بذاكرتي.
 مرت السنوات سريعة, ومرت الصباحات بما هو أسرع ولم أشعر بها, مرت بخفة و تلك الجميلة أمامي كل صباح تهتم بنباتات الحديقة كما جرت عادتها على مر السنوات العشرون الماضية, تجيد الإعتناء بكل المحيطين بها, تجيد الإعتناء بي كما لو كنت أحد أطفالها أو نبتة صغيرة تخشى عليها الذبول, كم كان القدر كريماً بمنحي هكذا ملاك.
أسرح بها, مرتدية فستانها الدانتيل الأبيض الذي أهديتها إياه قبل سنوات حاملةً أصيص نباتات جديد و تتحرك بخفة تليق بالمرأة التي أحببتها قبل عشرون سنة فرحة بطفلها الجديد تحلم بمراقبته و هو يكبر كل يوم.
"حياة" منحها لي الرب في لحظة جنون و كانت تلك هي الحياة التي فاتني أن أعيشها قبل أن أقابلها.
شرفة المنزل, الكرسي الخشبي, الحديقة, حياة و نباتاتها, أنا وكل هذا الكم من الحب الذي بالمكان كان أقصى ما أتمناه, الجلوس هنا على الشرفة و على هذا الكرسي العجوز ومن ثم مراقبة "حياة" و هي تبعث الحياة بكل ما تلامسه يداها مراقبتها تبتسم لي من حين لأخر و إشارتها لي بأن أغير زاوية الكرسي خشية أن أصاب بضربة شمس أشياء صغيرة كانت تجلب نوع من الراحة لروح عجوز أنهكته السنوات و أمسى كل ما يتمناه أن يزروه الموت صباحاً, جاعلاً آخر ما تراه عيناه .. "حياة" التي أحبَّ أن يعيشها.



 مشيئة الرب :


يقطع هذا الحلم الجميل صوت منبهي الصغير, أستيقظ بارد الجسد والقلب, متبوعاً بوظيفة عليّ اللحاق بها و ذوق سيء كان الرب قد إبتلاني به في إختيار الناس و الموسيقى.
نعيش يارفيقي وشبهتنا الحياة, نكتب يا رفيقي لمن غابوا وبقيت شبهتهم الحضور,, نتضرع يا رفيقي لإله يعلم تماماً ما في النفوس وما تخشاه, يعلم ما تريده وتتمناه .. لكنها ببساطة لن تحصل عليه.
تلك يا رفيقي .. حياة منحها لك الرب ثم سلبها منك كي تدرك قيمة حياتك التي لم تعشها حقاً.
عشرون عاماً وعام ولا زلت أستيقظ كل صباح  بارداً وحيداُ وفي حلقي بقايا حلم "حياة والدانتيل الأبيض" حلم لم يكن ليكون أجمل مما كان يوماً.

Tuesday, March 18, 2014

في الحديث عن الموت .



في الحديث عن الموت لا شيء حقيقي لا شيء ملموس سوى الألم الذي تشعر به ينشأ  في معدتك متجهاً لأعلى قبل أن تدرك أخيراً المعنى الحقيقي للكلمات التي تسمعها
نحن بحاجة لعائدون من رحلة الموت, ذلك أن بعض الأسئلة بقيت دون إجابات ونحن بحق بحاجة لجواب نسد بيه جوع خوفنا من المجهول, من حقيقة الحياة الأخرى التي نمضي حياتنا هذه نعد أنفسنا لها..
في الحديث عن الموت سأكون الأسوأ ربما, ذلك أن نظرتي للموت مختلفة تماماً_لست متأكدة_ لأكون صادقة ولكنني أشعر بأنها كذلك, الموت يا رفيقي _حسب تعريفي_  لا يتمتع بالشجاعة الكافية ليضرب معك موعداً, ليواجهك وجهاً لوجه, إنه فقط يكتفي بالتربص بك عند الزوايا  وفي كل مكان تكون به.
الموت, وإن بدت الكلمة لها هيبتها إلا أنها في حقيقة الأمر كلمة بسيطة, مدخل صغير لعالم كبير, عالم هائل من التساؤلات, أين؟ كيف؟ لماذا؟ وأهم سؤال : متى ؟!
في الحديث عن الموت أيضاً سيكون من غير اللائق تجاهل الحديث عن الألم والحزن المصاحب له, المصاحب لفقدان من نهتم لأمرهم, من نعرفهم وإن كانت معرفة علاقات إجتماعية هشة, في الحديث عن الموت حديث عن هالة من الألم, ألم لطالما إرتبط في عقلنا بألم فقدان الشخص, ألم  نتمنى عدم تكرره  مجدداً في حياتنا, لكنني لا أعامل الموت بهذه الكيفية, ربما لأني لم أعرف الموت سوى مؤخراً, أنا لم أفقد أحداً أهتم لأمره حقاً من قبل_ أعني_  لطالما إرتبط الموت عندي بالمرض أو بالتقدم في السن .. الأمر يبدو قاسياً حين أقوله ولكن هذه هي الحقيقة .
لم أشعر بالموت حقأ كما شعرت به حين وطئت قدماي هذه المدينة بعد حربها قبل ثلاث سنوات, كان الأمر مختلفاً جداً عما كنت أراه في القنوات الإخبارية, كانت رائحة الموت نافذة, رائحة لا تملك تجاهلها, رائحة تلتصق برئتيك حتى تشعر بها كيد خفية تعصر قلبك و فم معدتك, الموت يا رفيقي في مكان ولكنه بعيد مادام لم يقترب منك أو من أحد تهتم لأمره وهكذا كانت علاقتي بالموت, أسمع عنه, أشاهده على التلفاز وبين حين وآخر يرد خبر وفاة أحدهم فنقوم بزيارة للتعزية..
في زيارات التعزية .. حسنا .. لا أعرف كيف أقول هذا حقاً ولكنني لم أكن أتصرف بطريقة لائقة ربما ذلك أنني وقبل عامين وحين توفت والدة صديقتي وذهبت لزيارتها حين دخلت لغرفتها ووجدتها مرتمية فوق السرير تبكي بدأت بالبكاء, لكنني لم أكن أبكي لموت والدتها .. حقاً وإن بدا ذلك قاسياً لكنني أعتبر الموت قاسِ على الأحياء, أشد قسوة عليهم من قسوته على من سرق أرواحهم على حين غرة منهم.
الموت يرافقه البكاء وبكائي عادة لا يكون على الميت, أبكي على أحبته, على من يهتمون لأمره, على ألمهم وعلى الفراغ الذي سيرتكه رحيله.  أبكي على الإبتسامات التي لن يلمحوها وعلى الصوت والكلمات التي لن يسمعوها مجدداً, أبكي على الأحضان التي سيفتقدونها في لحظات ضعفهم ... ذاك الذي غادرته روحه ربما يشعر بالألم, ربما ولكنني لست متأكدة بقدر تأكدي من ألم الأحياء, ألم المتروكين في هذا العالم.
هل سبق أن تخيلت موتي, موت أحبتي  ؟ نعم .. تخيلت موتي وموت أحبتي  مراراً ,تخيلت خبر موتي ووقعه على محيطي, على أسرتي وأصدقائي, على زملاء الدراسة والمعارف في الأوساط الإفتراضية, تخيلت بكاء والدتي, والدتي التي لا تملك إبنه سواي.. أوه كم سيكون الأمر قاسياً .. إن كنت سأحزن فعلاً,إن كان للأمر معنى وكنت لأشعر بها في تلك اللحظة فسأود حقاً إخبارها ألا تبكي .. أنا لا أخشى الموت يا أمي .. ما أخشاه حقاً هو الوحدة الناتجة عنه .
كل تلك النساء اللواتي سيتكدسن حولها وهن يرتدين الأسود, كل ذلك البكاء والنواح والألم .. كل هذا سيمحي ما أحاول رسمه على وجهها من إبتسامة, كل اللواتي سيعلو صوتهن بالبكاء وكأننها حزينات حقاً على فراقي كل اللواتي لا يعرفنني حقاً.. " كيف لكن أن تحزّن على فراقي وأنتن لا تعرفنني؟!" .. كل تلك الدموع .. أنتن أولى بها مني.
كل هذا الموت يا عالمنا الضعيف كل هذا الموت منذ  بدء الخليقة ولم تتعلم بعد التعايش معه بهدوء, كل هذا الموت لم يكن يعنيني قبل أن يسرق أحدهم مني, قبل قرابة العام من اليوم, عندها فقط شعرت بألم الموت وإعتذرت عنه, إعتذرت عن بكاء كان يخص ألمي .. لا  من فقدت ..
كل هذا الموت ولم نتعلم بعد أن ندفن حزننا مع الذين ندفنهم, لم نتعلم أن نتخلص من ذاكرة مزدحمة بهم وبنا ..
كل هذا الموت .. ولم نتعلم بعد ألا نتسبب به, ألا  نزاحمه في خططه الدنيئة.

Saturday, March 8, 2014

هل يحبني الله أيضاً؟










حديث مع رفيق :

_ أتدري, في مكان ما من قلبي أعلم يقيناً أنني أحبه لكنني لا أعرف طريقة مناسبة أعامل بها هذا الحب.. أعني متأكدة أن الله يدري بحبي له ولكنني سيئة في امور الحب هذه.
_حسناً؟ ما المشكلة.. لم أفهم بعد..!
_ هل يحبني الله أيضاً؟
يقولون أن الله إذا أحب عبداً إبتلاه, فهل كل الإبتلاءات التي مررت بها تعني أن الله يحبني؟ هل فعلت ما يستحق هذا الحب عن جدارة؟
_لا أعلم ..
_حسناً ...
_لما لا تتوقفين عن طرح هذا النوع من الأسئلة, لن تجدي الإجابة المناسبة كما أنك لن تجدي ما يسرك في نظرات وأحاديث الكثيرين.
_حسنا ..




حديث معه :

أقنعوني بالعدول عن فكرة الكتابة لك مراراً, ولكنني بحاجة لأن أحادثك وإن كان على ورق, ذلك أنني لا أجيد صياغة  دعاء واحد يصف ما أشعر به أجمع _أعتذر_ ولكنني حقاً لم أستطع, سبق أن حاولت.
أردت أن أخبرك _وأنت تعلم سلفاً_ أنني منهكة, منهكة من كل شيء حتى من نفسي.
منهكة من البحث عن الإجابات وخائفة من طرح أسئلة قد لا تعجبني الإجابات عنها.
خائفة من ألا تعجبهم,أخبرك  أني متعبة من زخم الأيام والسنوات التي مرت على مهل كأنها الأبد.
أخشى أن تظنني سيئة وأنا لست كذلك .. أعني ربما كنت بصورة ما سيئة ولكنني متأكدة أن الأمر ليس كما يبدو عليه.
الحقيقة أني فقدت خارطة طريقي, فقدت الحس الداخلي, الصوت الذي كان يرشدني للصواب والذي لوقت طويل كنت أظنه مرسل منك.
أخشى أني ما عدت أعرفني ..
أني لا أذكر المرة الأخيرة التي دفعتني فيها إبتسامة طفل رضيع للإبتسام.
المرة الأخيرة التي تعرفت فيها على نفسي في المرآة من النظرة الأولى .

منهكة يا الله ..

ويخيفني مآل الأمور, يخيفني وقع إنسياب الأيام من بين أصابعي, كلما ضغطت عليها أكثر .. تسربت مني دون أن أشعر ..
يخيفني خوفي .. ذلك أني لم أعتد الخوف, أعني لم أعتد المجاهرة به و إن كنت أعلم أن حديثنا هذا خاص, لكنني خائفة .
لا أعرف كيف أعيش، وأخشى أن يحين عليّ وقت لا أعرف فيه كيف أموت
.
ألا يبدو هذا كافياً ليدب الرعب في قلبي ؟


أردت أيضاً أن أخبرك أنني خفت يوم سمعتهم يقولون "  لا بارك الله قوماُ يسرق لُبهم عزف المويسقى وفرح النوتات, لا بارك الله فيهم" و أنا ياالله
تسرق الموسيقى لُبي .. وتفرح النوتات الشاردة قلبي ..
يسرق الحُسن قلبي و قد يخلف نبضة أيضاً, أبتسم لمالاقاة شاب وسيم و أشعر برغبة شكره لجعله يومي أفضل.
أتحاشى النظر لمتوشحات السواد, يخشاهن قلبي و أشعر بضيق, وأخشى أن يكون حبنا مشروط بأشياء لا أستطيعها ...


أردت أن أخبرك أيضاً أنني تعبت من وجهي، أود حقاً لو أنزعه وأهلك دونه
.
أنزع وجهي، أغادر جسدي، و أحلق بخفة، كروح عالقة بين سماء و أمنية
أردت أن أقايض سنوات عمري الماضية بجناحات وسماء ثامنة لا تضيق بي.

منهكة يا الله .. منهكة .

و أحلامي الصغيرة باتت تتكدس فوق بعضها البعض حتى صرت أخشى ألا يعود بإستطاعتي الحُلم ..
أحلامي يا الله صغيرة .. صغيرة جداُ فما الذي يؤخر تحقيقها؟
أهو إزدحام أحلام الآخرين في الصف؟
سأنتظر, ولكنني  أخشى أن تموت أحلامي قبل أن يصلها الدور, أخشى أن أودعها أبدية النسيان ..
أخشى أيضاً أنك تحب الآخرين أكثر مني ..
أن تهتم لأمرهم أكثر مني ,,
"أخشى" .. وها أنا أخشى مجدداً.
لم أستطع بعد التخلي عن خشية وقوع الأسوء. لم أستطع التخلي عن خوفي مما لا أعلمه.


ها أنا أصل لنهاية لم أرغبها, لم أعد أستطيع التحدث والكلام عما بدواخلي, _وأنت تعلم_ .
ولكنني أتمنى أن نلتقي مرة أخرى في حديث آخر ..
سأحبك دوماً .. بطريقتي.

Sunday, January 26, 2014

الراقصة التي ماتت جوعاً .










"هذه ستكون المرة الأخيرة التي أتدخل فيها وأخرجك من شجار متعلق بها", قالها "جون" وهو يفتح باب سيارته ليمد يده ويخرج "آدم" الثمل من داخلها .  مبعداً  يد وواضعاً أخرى على وسط "آدم" بقيّ "جون يتوعد"  ويتعهد بعدم تدخله فيما يخص "آدم" و " لوليتا" مجدداً ذلك أنه كان قد أمضى الأشهر الست الأخيرة  وهو يقنعه بتركها ونسيان أمرها.
تعود بداية معرفة "جون" بـ"لوليتا " قبل ست أشهر حين إتصل "آدم" بـ"جون" في منتصف الليل من مخفر الشرطة طالباً منه أن يحضر ليدفع كفالته بعد أن ألقت الشرطة القبض عليه في شجار كان قد بدأه في حانة صغيرة في أطراف المدينة.
يظن "جون" أن "آدم" مخطئ ولكنه حقيقةً لم يكن قد فهم الرابط بين "آدم" والحانة الصغيرة التي قصدها تلك الليلة ذلك أنه و رغم صداقتهما القوية لم ينتبه "جون" لغرابة الأمر, ذلك أن "آدم" لا يرتاد ذاك النوع من الحانات الحقيرة ولا يفتعل شجارات مع آخرين غرباء عنه لا يعرفهم, في الحقيقة هو لا يفتعل شجارات مع أي كان ولكن تلك الليلة كانت مختلفة وفي طريق عودة "جون" لمنزله بعد يوم عمل طويل كالعادة كان قد توقف في إشارة مرور ملتفاً إلى يساره لينتبه لتلك الجميلة الجالسة في المقعد الأمامي قرب سائق يبدو أنه والدها ذلك أنه يكبرها سناً بكثير, إبتسمت الجميلة في غنج وفي اللحظة التي تدافعت الأفكار في رأس "آدم" ليرد الإبتسامة إنطلقت الإشارة و رحلت مع رحيل السيارة التي كانت تستقلها تلك الجميلة إبتسامتها التي نسيّ أن يردها.
مرت أيام طويلة نسي فيها "آدم" أمر تلك الجميلة وأمر تلك الإبتسامة, نسي الأمر تماماً قبل يصادف ذات الجميلة  في أحد صباحات سبتمبر, قابلها وكاد ألا يتعرف عليها  شاهدها متكومة على طرف الرصيف, ذات الطريق الفرعي الذي كان قد رآها فيه من قبل شاهدها تبكي وتتلوى على الأرض, ضغط على الفرامل بقوة و أوقف سيارته على الطريق قافزاً منها صوب ذلك الجسد المرمي على الأرض والظاهر منه جل مفاتنه .
          
                                                                                                    *                             *                                 *
.
فتح "جون" باب شقة "آدم" وأدخله إليها بهدوء  تم رماه على سريره و هو يتمتم مجدداُ, نزع عنه سترته و حذاءه قبل أن يرمي بالغطاء عليه ويحييه مبتعداً قائلاً " علينا أن نتحدث يارفيقي, علينا أن نتحدث بمجرد أن تستفيق بالغد".
مد "آدم" يده  ماسحاً على رأس الفتاة المتكومة على الأرض ومحاولاً مساعدتها على الوقوف سائلاً "هل أنتِ بخير", أبعدت يده بقسوة قائلة "إبتعد" ولكنه لم يفعل إستمر بالسؤال وبمحاولة مساعدتها إلى أن وقفت و بدأت تغطي ما أظهره تمزق فستانها بيدها و هي تعرج بحذاء مكسور الكعب متجهة صوب عمارة سكنية لا تبدو على قدر كافِ من الحسن.
تاركاً إليها تذهب دون الإلتفات إليه  أراد "آدم" لو فهم ما الذي حصل كيف إنتهى الأمر به هنا هذا الصباح, كيف إنتهى الأمر بهذه الجميلة هنا وفي هذه الوضعية لكنه لم يستطع الإجابة ولم يستطع منع نفسه أيضاً من الركض خلفها وقد كانت بدأت تختفيعن ناظره وهي تصعد سلم ذلك المبني.


                                                 
                              *                             *                                 *
 
_ "ليلي" أرجوك توقفي, توقفي عن فعل ذلك أنتِ لست مرغمة على فعل شيء لا تريدينه.
_أنت لا تفهم "آدم" لا تفهم.. أرجوك إرحل هذا يكفي.
_ولكنني أحبك.
_إرحل , أنا لا أحبك, لقد كنت أستغلك وكنت بحاجة لبعض المال ولمكان أسكنه قبل أن أعود لعملي , إرحل.
تبعد يده عن خدها وتتجه صوب الباب وفي عينها دمعة كانت قد أخفتها خلف ذاك الكم الهائل من مواد التجميل التي وضعتها قبل دقائق و "أدم" يرجوها ألا تذهب.

دقائق وسُمع صوت إنطلاق موسيقى صاخبة يتبعها تصفيق وترحيب حار بعودة الراقصة التي أحبها الجميع في هذا المرقص الليلي أصوات كانت تضرب رأس "آدم" كمطارق من حديد أصوات دفعته للركض خارج غرفة ملابسها و الهرع لسيارته, دقائق وجد نفسه فيها فوق جسر المدينة راكناً سيارته على طرف الطريق ومتوقفاً عند حافته باكياً تارة وصارخاً في وجه العدم تارة أخرى.
إنقضت قرابة الساعة قبل أن يقرر أن ينهي هذا البؤس ويتجه للحانة الرخيصة التي تقع تحت شقتها وينتظرها, ينتظر عودتها ولكن مهلاً ... ماذا لو لم تعد هذه الليلة أيضاً, ماذا لو كان عليها أن تغادر مع زبون أو ربما إثنين مع من يدفع أكثر؟, ماذا لو ...ماذا لو ؟!
 ولم يذكر "آدم" الكثير من تلك اللية سوى جسده وهو يتهاوى على الأرض بعد أن حاول لكم الرجل الذي فتح الباب لـ"لوليتا" وهي تداعبه مودعة والكثير من الوجع بعد أن إستيقظ صباحا وهو مرمي في غرفته على صوت "جون" صارخاً في محيبه الصوت " إستيقظ أيها الأحمق, إستيقظ أنا في طريقي إليك وعلينا أن نتحدث بجدية هذه المرة".
إسترجع "آدم" ست أشهر منصرمة من عمره, إسترجع فيها الكثير مما إختبره الكثير من الصدف السيئة والجيدة معاً إسترجع إبتسامة واحدة ذات مساء غيرت حياته و غيرته للأبد.

في اللحظة التي همت بفتح باب شقتها سمعت صوت خطوات متجه نحوها وحين أدارت رأسها قالت " أرجوك إرحل, أنا بخير إرحل فحسب" لكنه لم يتوقف ولم يجب بل إستر بالإتجاه نحوها إلى أن بلغها ثم أمسك المفتاح من بين أصابعها وفتح لها الباب, كان ذلك قبل أن تتهاوى ويسقط رأسها على كتف فاقدةً وعيها.
يلعن "آدم" نفسه مراراً كلما تذكر ذاك الصباح ويصرخ دوماً لما لم يرحل, لما لم يرحل.. هكذا ببساطة كما طلبت منه!.. لم يكن ليفعل هو يعرف بأنه لم يكن ليرحل ويتركها هكذا في تلك الحالة, لم يكن ليرحل ببساطة ويترك تلك الإبتسامة خلفه.

                                                                                      *                                   *                                 *


تمر أيام طويلة يرابط فيها "آدم" أمام شقة "ليلي" محاولا بدء حديث معها في حين كانت كل مرة تسكته وتدفع بجسده بعيداً عنها هامسةً "أرجوك.. إرحل.. أنت لن تفهم يوماً .. لن تفهم..".
_حاولي, جربيني.. إمنحيني فرصة.
_ولكنك...
_"توقفي" واضعا يده على فمها بهدوء.
تشيح ببصرها و تفتح باب شقتها و تدلف تاركةً إياه مفتوحاً كدعوة مبطنة له ليدخل.
تجلس بركن الغرفة عند النافذة قائلة "ما الذي تريده مني؟ شكرتك مراراً على موقفك الرجولي معي, شكرتك مراراً على مساعدتك لي ذاك الصباح, لما لا ترحل ببساطة؟
_لا أستطيع.
تلتفت صوبه في إستغراب متسائلة "لا تستطيع؟"
_لا أستطيع, أنا حقيقة لا أعرف ما الذي يجيء بي كل يوم إلى عتبة بابك كل يوم, لا أعرف... هناك شيء ما , شيء ما هنا .
يحرك يده بإتجاه قلبه  ويبتسم .
أنا حتى لم أكن أعرف إسمك, ليس قبل أن أسأل جارتك الفظة عنه, "لوليتا" لما لا ....
_"ليلي" .. "ليلي" هو إسمي وليس "لوليتا" وأنا لست كما تعتقد فلما لا تختصر هذا الوجع على كلينا وترحل؟!
_لما لا نخرج لتناول فنجان قهوة ونتحدث قليلاً؟
_أنا متعبة أود النوم قليلاً,, إذهب أرجوك إذهب ولا تعد مجدداً.
_ولكنني ...
_إذهب.
مشيرة إلى الباب أشاحت ببصرها عنه.

يعود "آدم" إلى شقته خائباً كما إعتاد مؤخراً يعود ليجد أن بريده الصوتي ممتلء برسائل من صديقه "جون", "جون" الذي لم يكن ليفارق "آدم" يتصل سائلاً "أين أنت يارجل؟ أنت تخيفني! هل  أنت بخير؟!
يتصل به ليطمئنه "ما الأمر يا "جون" لما تتصرف كوالدتي ؟! إنني بخير يا رجل أنا فقط في خضم موضوع سأخبرك عنه قريباً في الوقت المناسب"
ثم يغلق سماعة الهاتف دون أن يمنح "جون" فرصة للرد ويركض بإتجاه الباب وهو يقول " هذه المرة لن تتخلصي مني,لابد أن نتحدث".
تمضي عدة ساعات وهو جالس على درج البناية قبل أن ينتبه لصوت خطوات حذاء نسائي قادم من خلفه و يسمع "أنت هنا؟ ألم ترحل؟!"
_ولكننل لم نتحدث, ولن أرحل قبل أن نتحدث.
_حسناً كما تريد, تعال معي .
تسحبه من يده وتتجه نحو الشارع صائحة "تاكسي" ليتوقف أول تاكسي يمر بهما وسط دهشته, يستقلان التاكسي في صمت قبل أن تكسره محدثة السائق عن العنوان.
_ما الذي يحدث؟
_ألم تقل بأن تريد التحدث؟ صبراً و سنتحدث.

يتوقف التاكسي أمام ملهى ليلي فاخر لا يبدو من واجهته ورجال الحراسة الذين يقفون عليه أن لأي شخص كان إمكانية الدخول لو لم يكن جيبه يزن ضعف وزنه.
توقف وسط دهشته حين إنتبه لـ"ليلي" وهي تنزع عنها ذاك الفرو الجميل الذي كانت تغطي به جزئها العلوي, أزاحته ليطل من تحته كتفيها البارزين في هدوء وجمال واضح.
مدت للسائق نقوذه و سحب "آدم" مجددا من يده ونزلا من التاكسي صوب الملهى "لا تتكلم, سأتصرف أنا"قالتها ثم توجهت صوب الباب وهي تحيي الحراس الواقفين عليه "مرحبا, إنه معي" قبل أن تبتسم وتضغط على يد "آدم" وتسحبه معها إلى الداخل وسط ذهوله ودهشته.
تجلسه على البار مقابلً للمسرح  وتهمس في أذنه"لا تتحرك" ثم تختفي الزحام لتنطفئ أضواء المسرح بعد دقائق وسط إنبثاق ضوء خافت مسلط في الطرف  ليبدو معه جسد رجل يبدو من خلال مظهره و المايكروفون الذي يحمله أن منشط بسيط يعمل هنا ليسدد أتعاب هذه الحياة, مع إستمرار صوت الصفيق في التعالي يرحب المقدم بالمتواجدين ثم يقو "وهاهي جميلتنا, جميلة الليلة خلف هذا الستار, هاهي الرائعة "لوليتا" مشيرا بيده نحو الستار الذي بدأ يترفع ببطئ كاشفاً عن جسد يتلألئ تحت الضوء, بادءاً بحذاء أسود من الجلد ملتف حول عمود حديدي على مايبدو مستمراً معه ظهور بقية الجسد كلما إرتفعت الستارة لتكشف عن جسد شبع عاري سوى من قطع بسيطة من الجلد الأسود وبعض السلاسل الحديدية التي تزينه وتزين رقبتها .. إنه هي "ليلي".."لوليتا" كما يقولون .
يبلع ريقه كما دهشته في صمت تم يرمي بالكاس الذي كان بين يديه على الأرض و يركض خارجاً وسط صوت الموسيقى وصوت المشاهدين وهم يصرخون ويصفوقن لها, وسط رغبته العارمة في محاولته لمحي صورتها وهي تتلوى على ذلك العمود الحديد وسط نظراتهم وهي تنهش جسدها .



"لوليتا" أو "ليلي" كما ذكر في بطاقتها الشخصية, راقصة تعري في ملهى ليلي فاخر, إعتادت مشاركة ليلتها مع من يدفع أكثر, لم يكن يهم العمر أو الشكل أو مدى فوح الرائحة النتنة من أنفاس الزبون مدام سيدفع مبلغاً جيداً.
كل هذا لم يكن "آدم" ليدرك أن حظه السيء سيجلبه له على هيئة إبتسامة صغيرة في إشارة مرور.

                                                                     *                           *                                   *


يعود للحانة الحقيرة أسفل بنايتها و يبدأ بالإسراف في الشرب قبل أن يتصل بـ"جون" قائلاً:
_"جون" أنا أحتاجك.
_ما الأمر؟ أين أنت ؟! تبدو ثملاً.
_أنا .. اممم لا أدري أنا هنا عند منزلها .
_من هي ؟
ثم يمرر "آدم" الهاتف للساقي ليصف العنوان لـ"جون" , ولم تكن قد مضت نصف ساعة حتى كان "جون" واقفاً قرب "آدم" .
_هيا بنا, هيا بنا أنت لا تبدو على ما يرام.
_ولكنني لم أكن أعرف يا "جون" لم أكن أعرف.
_حسناً, أنا أيضا لا أعرف عما  تتكلم ولكننا سنتحدث في الموضوع عندما نعود إلى المنزل, هيا بنا.
_لا, سأنتظرها, أريد أن أفهم , لماذا تفعل هذا؟ هل للأمر علاقة بالمال؟ سأعطيها ماتريد.. فقط لتترك هذا العمل البشع.
_أوه "آدم" في أي ورطة أوقعت نفسك هذه المرة !

تمضي الليلة سريعاً ولا يذكر "آدم" منها الكثير, لايذكر أكثر من ألم مشاهدة الستارة وهي ترتفع لتكشف عن جسد للبيع عن مزايدة إنسانية  لجسد إنسانة نبض قلبه للمرة الأولى بالطريقة الصحيحة حين إبتسمت له ذات مساء.
لم يذكر من ليلته تلك سوى سماعه صوت قلبه يتحطم وسط أضلعه, ذاك الألم الذي لم يعرف مكمنه, ذلك الألم الذي لم يظن أن إمرأة لا يعرف عنها سوى إسمه قد تفعل به كل هذا.
 صباحاً يحضر "جون" لشقة "آدم" ويبدأ بفتح الستائر مانحاً أشعة الشمس سبباً وجيها لتتسلل للغرفة
_إستيقظ, هيا.. يجدب أن نتحدث.
_أغلق الستائر أرجوك, أعاني من صداع سيء.
_ما الأمر, ما الذي أوصلك إلى هذه الحالي, أين كنت مختفياً طوال الأسابيع الماضية, لم أعد أسمع منك سوى عن طريق رسائلك الصوتية !
_قصة طويلة, طويلة و غريبة يارفيقي.
_وأنا لن أتزعزع من هنا قبل أن تخبرني.
مرت ساعات و "آدم" يسرد تفاصيل اللقاء الأول و الحديث الأول و يقص على "جون" السبب الذي أوصله لهذه الحال و قبل الإنتهاء ..
قال:
_"جون" .. هناك أمر غريب بها, إنها هنا "مشيراً لقلبه", إنها هنا منذ إبتسمت لي ذاك المساء.
_لا أدري بما أجيبك,, أنت مغرم بفتاة لا تعرف عنها سوى إسمها .. أووه .. وأنها تعمل أيضاً كراقصة تعري ..
حسناً,, لا يبدو الأمر جيداً.
متأكد أنه مجرد إعجاب عابر ستنساه ببساطة, أنت بحاجة لبعض الوقت وبعض الأنشطة لتقوم بها.
_ولكنها كانت تبكي, رأيت تلك النظرة  ذاك الصباح وهي على الرصيف و رأيت ذات النظرة في عينيها على المسرح وهي ترقص .
هي لا تريد هذا أنا متأكد.
_أوه يا رفيقي أرجوك توقف عن هذا  وعد لمتابعة حياتك هناك عمل ينتظرك وحياة بأكملها تنتظرك.
وإنتهى الحديث بأن باءت كل محاولات "جون" لإخراج "ليلي" من رأس وقلب "آدم" بالفشل لذا وعده بأن يعود معه بالغد لمنزلها و ينتظره بالأسفل فيما يذهب هو لمحادتثها.
لم يكن "آدم" لنتظر للغد لذا إنتظر رحيل"جون" و أرتدى ملابسه ثم إتجه لبنايتها مجدداً, طارقاً الباب, صارخاً "ليلي: إفتحي الباب أرجوك" تعب من الطرق ولكن لم يكن من مجيب.
ركع على قدميه أمام الباب وهو  يبكي "لماذا؟" .. سمعها من الخلف "لماذا عدت؟"
_لأنني أفهم.
_لا, أنت لا  تفهم.
_أرجوك إمنحيني فرصة واحدة.
فتحت "ليلي" باب شقتها ودعته للدخول هذه المرة بلطف .
كانت الساعة تشير للثانية بعد الظهر و قد إنتبه لحقيقة أنها لازالت ترتدي ذات الفستان الذي إرتدته بالأمس, إنتبهت هي لتأمله ذاك وقالت "أعلم, لم أعد ليلة البارحة للمنزل كنت في عمل, ذاك الذي رايتني معه ذلك المساء زبون, أتدري,, أن أذكرك و أذكر أول لقاء لنا لكنني تمنيت لو لم أفعل, أذكر إرتباكك و أذكر أن ذاك كان أكثر ما شدني إليك.
حين وجدتني على الرصيف كنت مع زبون أيضاً, لكنه  من النوع الخشن إنه  نرجسي’ لكنه يدفع الكثير, هذا غير مهم في هذا المجال, المهم هو ما تجنيه في الليلة الواحدة وكم سيكفيك.
_توقفي أرجوك.
_لا, ألم تقل أنك فهمت؟ إذا لا بد أنك فهمت أنني أبيع هذا الجسد, وأن الرقص في الملهى ماهو إلا نافذة على من يدفع أكثر وأن...
_ارجوك توقفي, هذا يكفي.
_كما توقعت, أنت لن تحتمل الحقيقة, لما لا تعود لحياتك وتنسى أمري ببساطة, لن تكون أول من يفعل هذا, أسامحك.
_ولكنني ..
_لا تحاول البحث عن أعذار.. أتفهمك.
_ولكنني لن أرحل.
 صمت طويل خيم على الأجواء, كانت "ليلي" في تلك الأثناء تنظر بإتجاه الأرض قبل أن يقف "آدم" قربها و يمسك يدها واضعاً إياها على قلبها قائلاً " متأدك أن دواخلك أطهر مدام هذا ينبض".
قالها و أفلت يدها ببطئ ثم إتجه صوب الباب و خرج.


                                                                           *                            *                            *
_ما الأمر ؟ لما تبكين ؟
قالها "آدم" وهي يقتحم الحمام بعد أن خلع بابه ليجد "ليلي" متكومة على أرضيته شبه عارية وجسدها ينتفض من البرد ومن عينيها تمطر الدموع كما لم تفعل يوماً
_أرجوك إرحل, أنا لا استطيع أن أكون ما تريدني لا أستطيع أن أترك العمل, لا أستطيع أن أتصرف كأن مئات الأجساد لم تمر بجسدي, لا هذا الطهر يليق بي ولا دفء قلبك كافٍ لإذابة جمود ما مررت به.
لم تكن لتكمل جملتها الأخيرة إلا وجسد "آدم" يضمها إليه وسط كلماته المهدئة تارة ودمعه تارة أخرى.
إحتضنا و بكيا كثيراً, كلٌ كان يبكي لأمر, كانت تبكي هي على حالها و على ما أوصلته له, وكان هو يبكي على قلبها الصغير المزدحم بكل هذا الألم.
سينتهي هذا الكابوس حبيبتي سننسى كل ماحدث و سنبدأ من جديد, سنبدأ سوياً تلك الحياة التي فاتنا أن نعيشها, سيدفء قلبيّنا برد السنوات التي عشتها طويلاً و أنتِ وحيدة.
مرت ثلاث أشهر على ليلة الملهى, ثلاث أشهر و"ليلي" تقييم بمنزله وقد تركت العمل وقطعت كل علاقاتها بمحيطها السابق, ثلاث أشهر و "آدم" يحاول ترميم روحها المهشمة, ثلاث أشهر كان لا يحادث فيها "جون" إلا قليلاً وسط عتابه الذي كان يدفع"آدم" لإنهاء الحديث معه بسببه.
في الليلة التالية عاد "آدم" لشقته ولكنه هذه المرة لم يجد "ليلي" وكان كل ماوجده رسالة صغيرة على وسادته كتب عليها " أنا لست ما تعتقد أنا سيئة, هذا السرير وهذه الحياة لا تليق بي, سأعود لحياتي التي إعتد, أرجوك دعني وشأني ... لوليتا".
مزقها صارخاً, وهو يعرف يقيناً أنها لا تحب أن يناديها أحد بـ"لوليتا" إنه ما إختراته كإسم لشخصية ترتديها كل ليلة على مضض, كإسم لشخصية تعيشها كل ليلة مكرهة.
مزقها و إتجه راكضاً نحو الملهى دخل وهو يلوح ببطاقة فيزا و محفظته في وجه الحراس, دخل راكضاً لغرفة تبديل ملابسها ليجدها هناك على الكرسي كظل جسد منهك .

_ "ليلي" أرجوك توقفي, توقفي عن فعل ذلك أنتِ لست مرغمة على فعل شيء لا تريدينه.
_أنت لا تفهم "آدم" لا تفهم.. أرجوك إرحل هذا يكفي.
_ولكنني أحبك.
_إرحل , أنا لا أحبك, لقد كنت أستغلك وكنت بحاجة لبعض المال ولمكان أسكنه قبل أن أعود لعملي , إرحل.
تبعد يده عن خدها وتتجه صوب الباب وفي عينها دمعة كانت قد أخفتها خلف ذاك الكم الهائل من مواد التجميل التي وضعتها قبل دقائق و "أدم" يرجوها ألا تذهب.

دقائق وسُمع صوت إنطلاق موسيقى صاخبة يتبعها تصفيق وترحيب حار بعودة الراقصة التي أحبها الجميع في هذا المرقص الليلي أصوات كانت تضرب رأس "آدم" كمطارق من حديد أصوات دفعته للركض خارج غرفة ملابسها و الهرع لسيارته, دقائق وجد نفسه فيها فوق جسر المدينة راكناً سيارته على طرف الطريق ومتوقفاً عند حافته باكياً تارة وصارخاً في وجه العدم تارة أخرى.


                                                                                              *                                *                                  *
                                                                                                                                              

قبل هذا الحدث بساعات و في حين كان "آدم" في عمله زار "جون" "ليلي" وفي يده شيك بمبلغ 10 آلاف دولار وهو يعرض على "ليلي" أن تترك "آدم" أن تخرج من حياته دون عودة.
_"ليلي" .."آدم" شخص طيب وهو لا يستحق مايحدث معه لا يستحق هذا الوجع الذي يعصف به كل لحظة.
_ولكنه قال ..
_أرجوك لا تقاطعيني, أعلم أنك بحاجة للمال و أنه السبب في كل ما أنتِ فيه لذا أنا أعرضه عليك اليوم, أليس هذا مبلغاً كافياً؟ أنتِ حتى لن تجنيه في سنوات من العمل كمومس .
_ولكنني لست مومس .. أنا .. أنا ..
_ فالتخرجي من حياة الرجل, حباً بالله !
                                                                                         *                             *                                 *

غادرت "لوليتا" لملاقاة جمهورها و غادر "آدم" لإحتضان الطرقات,, مشى هائماً على وجهه طويلاً قبل أن ينتهي به المطاف في ذات الحانة التي لم يكن قد دخلها منذ أخر مرة حضر فيها ليعرف منها إسم "ليلي".
ثمل طويلاً, ثم سرعان ما راح يرمي بالكؤوس على الأرض و يحطم ما يقع عليه بصره و هو يصرخ "لماذا؟ .. لماذا يا "ليلي".
قبل أن يستيقظ في اليوم الثاني في غرفة نومه وفي قربه يرقد "جون" على الكرسي.
مرت ثلاث أشهر, كان "جون" كجليسة أطفال بالنسبة لـ"آدم" كان يخرج ليبحث عنه في الحانات وفي الأماكن المتوقع زيارتها وكان كل مرة يعود لذات الحانة فيجده فيها أحياناً و يجده ملقى على درج البناية أحياناً أخرى, تلك البناية التي مكان لقائهما الأول, تلك البناية التي غادرتها "ليلي" دون عودة مذ رحلت معه.
مرت الأيام ببطئ شديد, ولا خبر واحد عن "لوليتا" "ليلي" , حتى الملهى لم تكن قد عادت له بعد رقصتها الأخيرة.
لا أحد يذكر "لوليتا" ذلك أن صاحب الملهي أحضر الكثيرات غيرها, راقصات جدد في كل ليلة, قصة جديد مع كل واحدة منهن.
لا أحد يذكر من أي  قرية أتت ولا من أي عائلة فقيرة أتت, لا أحد يذكر الليال الطويلة التي أمضتها وهي تفترش الطرقات الباردة, لا أحد يذكر إشمئزازها من منظر المومسات اللواتي كن يتواردن على ذلك الشارع ويعرض بضاعتهن بمختلف الأسعار للمارين ولاصحاب السيارات الفارهة, لا أحد يذكر لوليتا و يد الفتاة التي إمتدت لها لتسحبها من تحت الكرتون الذي كانت تغطي به جسدها الجميل, لا أحد يذكر أول مرة قصت فيها ظفائر شعرها لأول مرة وهي تبلغ الثامنة عشر, وهي ترتدي أول فستان قصير يكشف مفاتنها, وهي تنزل لتباشر عملها كرفيقتها في السكن التي رأت فيها ربحاً.
لا أحد يذكر "لوليتا" ولا حتى إذاعات التلفاز, لم تكن قد ذكرت أمر الجتة التي وجدوها أسفل الجسر في شتاء هذا العام, الجثة التي وجدوها متيبسة من البرد ولم يكن يغطي جسدها سوى قطع الكرتون وبضع الملابس البالية, جثة تعود لعشرينية كانت قد أضاعت نفسها من زمن, أضاعت نفسها قبل أن تضيع هويتها التي لم يعرفها أحد. قالوا أن سبب الوفاة هو البرد والجوع .


تلك كانت قصة الراقصة التي ماتت جوعاً.

الفتى سيء الحظ

       حين دلف له ذه الحانة الصغيرة لم يكن يعلم أن ه سيدخل شابا في مقتبل العمر ويخرج منها كهلا مل هذه الحياة . حين سحب الباب لي...