Tuesday, October 27, 2015

جســـر

حـــــافة
ولكنني لا أريد أن أموت حافية القدمين..
أعني ألن يكون الأمر بائساً بما فيه الكفاية حين تستيقظ المدينة على خبر اكتشاف جثة لفتاة في منتصف العشرينات – حافية القدمين؟
كل تلك الطرقات الطويلة التي مشيتها، كل الليالي التي قضيتها وأنا أركض هاربة من كل شيء.. كل هذه السنوات.. ستنتهي وأنا حافية القدمين؟
في الغد ستنتقل الأخبار، ستكتب الجرائد عن الفتاة التي وجدت ميتة، وجدت حافية القدمين.. لن يذكروا اسمي غالباً، سينسون كل التفاصيل وسيذكرون أني كنت حافية القدمين وأنهم حين وجدوني كانت قدماي حافيتين ولا تحملان بقايا الخطوات.. ربما سأمسي مادة دسمة لنسج القصص المرعبة وربما تستخدمني الأمهات لإدخال الرعب في قصصهن المملة التي يحكينها لأطفالهن قبل النوم، ربما سيذكر أهل هذه المدينة هذا الجسر كمنطقة مسكونة من قبل الفتاة الحافية القدمين..
لا أدري... ولكن ليست هذه هي النهاية التي أريدها.. أريد أن أموت وأنا أرتدي حذاءً فاخراً من الرن واي في الحقيقة..
لا أريد أن أغادر دون أن يقابل حذائي وجه الذين سينتشلون جثتي صباحاً..
سأنزل هذه الليلة عن هذا الجسر .. ولكنني سأعود حين أعثر على حذاء.



موعد
ليس حذاءً غالياً، ولكن لا يوجد في هذا العالم حذاءٌ غالٍ بما يكفي ليليق بقدميها المقدستين...
أرجو أن يعجبها.. لا أظنها ستغضب مني، لا تحب أن أكلف نفسي بإحضار هدايا لها، لكنها طلبت مني أن ألتقيها هنا لنذهب ونبحث معاً عن حذاءٍ مناسب.. ياه، لازلتُ أذكر حين التقينا هنا لأول مرة.. كانت تفصلني خطوةٌ مترددة واحدة عن أن أكون خبراً بائساً عابراً في هامش جريدة اليوم التالي.. كنت أظن بأن الشمس تُشرق صباحاً في السماء، ولكن ذلك اليوم أشرقت الشمس ليلاً في هذا الجسر.
كم كان شيئاً.. كان شيئاً غريباً ورائعاً.. المكان الذي أتيت أبحث فيه عن الموت.. وجدتُ فيه الحياة.. بين يديها...
مازلتُ أذكر كل كلامنا تلك الليلة.. مازلتُ أذكر كيف اقتربت مني.. وقفت بجانبي تماماً.. اخترقت كل جدران الخجل والحزن، نظرت إلى داخل داخل روحي، وتحدثت معي – أنقذتني.

اسم
-        ماذا تفعل هنا؟
-        ... آه... أ.. أنا.. لا أفعل شيئاً...
-        أها.. إذاً أنت تريد أن تفعل نفس الشيء؟
-        م.. مــ.. ماذا؟
-        حسناً، من الجميل الحصول على بعض الرفقة.. اسمي هو... وأنت، ما اسمك؟
-        ...
-        ألا تريد أن تخبرني اسمك؟
-        ... أنا...
-        أترضى أن أموت دون أن أعرف اسمك؟
-        مـ.. ماذا؟! تموتين؟!...
-        أوه، ما بك؟! أظن أننا هنا لنفس الغرض، أليس كذلك؟
-        ...
-        حسناً، يبدو أنني سأموت برفقة شخص لا أعرف اسمه.
-        اسمي هو...
-        أها، هل رأيت.. كان ذلك سهلاً، صح؟
-        نعم...
-        ما رأيك.. هل هذا مكان جيدٌ لنموت فيه؟
-        لا.. لا أعلم..
-        أوه، وضعك مأساوي! حسناً، يبدو أنني سأضطر لتأجيل الأمر مرةً أخرى.. تعال...

حذاء
ذلك اليوم، أمسكت بيدي، وأخذتني بعيداً عن الجسر، عن الحافة، عن الموت.. كانت تردد اسمي طوال الوقت، وكنت أشعر بأن هذه أول مرة في حياتي يكون لي اسم، أشعر بأنها هي من منحتني اسمي.. أشعر بأنها هي من أنجبتني ذلك اليوم، منحتني الحياة، منحتني اسمي، وأخذت بيدي لتعلمني كيف أعيش.
وها أنا ذا أنتظرها في مكان ولادتي...
أرجو أن يعجبها الحذاء.. إنه لا يليق بقدميها المقدستين.. ولكن، على الأقل سيحول بين الأرض وبين قدميها، فهذا العالم الحقير لا يستحق نعمة أن تدوس عليه بقدميها..
هل كان يجب أن أغلف الصندوق؟
ياه! سوف ألمس قدميها وأنا أُلبسها الحذاء! كلا، لن ألمسهما وحسب، سأقبلهما أيضاً... سأقبل قدميها..
لا داعي لتغليف الصندوق، سنخرج الحذاء ونتركه.. سنترك الصندوق، ونأخذ معاً قبلةً وننطلق.. نغادر الجسر..

خطوة
الجسر مجدداً، لكن ليس على الحافة، ولست وحدي.. إنه هنا.. يحمل في يديه صندوق صغير وابتسامة ارتداها بخجل.. لقد عاد من أجلي.. وأحضر حذاءً جميلاً كان قد زينه لأجل قدمي بأمنية.. كانت قبلته على قدمي أول خطوة.. وقبلتنا بداية الرحلة.
كل الطرقات القادمة سنمشيها معاً، كل الخطوات الجديدة سنخطوها معاً، أحذيتنا هذه ستصير هويتنا، في الصباح سيعانق بصرنا نور السماء، نركض خلف ظلالٍ هاربة، سنضحك كثيراً وسنجمع قصصاً كثيرة، سنعود لنحكيها لبعضنا البعض في المساء، كلٌّ كما شاهدها، سنرسم سوياً الطرقات التي لم نجدها وسنصل بها لأينما أردنا.. سيكون هذا الجسر بدايتنا وهذه الأحذية الجديدة موعد انطلاقنا.. لا خطوات ملتصقة بالطرقات.. لا أقدام حافية بلا هوية.. لا شيء سوى أنا وأنت والحياة.



جريدة
في اليوم التالي مر عامل نظافةٍ ببطء فوق الجسر.. التقط صندوقاً فارغاً وألقاه في عربته.. ثم التقط جريدة ذلك اليوم.. ابتسم لخبرٍ صغير في الطرف ثم قرر أن يطوي الجريدة ويضعها في جيب معطفه ويكمل عمله.





1 comment: